فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 183

إن قدرته على مقاومة الباطل وهو شبعان أشرف من عجزه عن الكر والفر وهو محروم. وهذا الذى فرض على نفسه قيام الليل، هل ينام النهار، ويقصر في تجارته أو في فلاحته؟. عندما يكون الكفر أقدر على قيادة الحياة من الإيمان فقد ضاع الدين! ولم يغن ركوع ولا سجود! إن هؤلاء الثلاثة مثال للقصور العقلى واضطراب المنهاج ومثال لكراهية الحياة ولمحاربة الجسد، ومثال للفشل في اكتشاف أسرار الكون واستغلال قواه! ولك أن تسأل: أين ـ في هذا التدين ـ مكان الملكات الأخلاقية المتوهجة في السلك الإسلامى، والتى وردت نماذج لها في قوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا * ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا) . لقد وضع القرآن الكريم هذه الخلال تحت عنوان الحكمة فقال: (ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا) . إن هذا التدين الجامح في ناحية، المنكمش في أخرى يفقد الميزان الضابط للحقائق والذى أشارت إليه الآية الكريمة (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط …) . والواقع أن الغلاة والمتطرفين لا يعدلون مع أنفسهم ولا مع الناس، والخلل في أحكامهم شديد الحيف على الدماء والأعراض، ثم إن الإسراف في بعض العبادات يتبعه غالبا قصور في فهم الدنيا وتطويع علومها لخدمة الدين. وذلك ما جعل الخوارج قديما وأشباههم في عصرنا أبعد الناس عن الطب والهندسة والاقتصاد والسياسة، ولذلك لم تصح لهم سلطة ولا بقيت لهم دولة! بل عجزوا عن تكوين بيوت سعيدة!! ص _045

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت