الصفحة 114 من 137

والرجل من عظماء مكة، والمهمة التي جاء من أجلها تخليص سبعين من صناديد قريش أوقعهم البطر بأيدي المسلمين. وسمع الرجل المشرك نبي الله وهو يقرأ سورة الطور في صلاة المغرب، قال: (ما سمعت أحدا أحسن صوتا أو قراءة منه) ، واستمر الرجل يسمع الآيات في المحراب الخاشع المخبت، وهو مسحور بالتلاوة المرسلة، قال: فلما بلغ هذه الآيات (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون * أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون) إلخ.. قال مُطعم: (كاد قلبي أن يطير) . وكان سماعه هذه الآيات ـ وهو مشرك ـ سببا في دخوله الإسلام بعد ذلك. ونتوقف هنا قليلا، إن سورة الطور مكية، ولا شك أنها قُرئت في مكة مئات المرات فهل لم يسمعها الرجل إلا اليوم؟ ربما، فإن المشركين هناك تواصوا بإحداث شغب وضوضاء حول مجالس القرآن حتى لا تغزو معانيه قلبا، فيؤمن بالله. وربما سمعها من قبل ولكن التعصب والكبرياء صداه عن الحق فلما قلمت الهزيمة أظافر قريش، وعاد إليها رُشدها وتواضعها، أخذت تفكر فيما تسمع. وقد نظمت أنا في الآيات التي روعت قلب الرجل، وتجدد في نفسي إحساس بما أودع فيها من عبرة، إن الآيات قصيرة، ولكنها ذات جرس لاذع رهيب!. إنها تشبه المفتاح الدقيق لخزائن ضخمة، فالمعاني التي تهجم على الفؤاد بعد سماعها تشبه العواصف العاتية، تكررت كلمة"أم"خمس عشرة مرة، و"أم"عند علماء اللغة تجزيء في هذا السياق للإضراب الذي يعقبه استفهام قد يكون توبيخا، أو تقريرا، أو تعجيبا. ص _126

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت