فهرس الكتاب
قال لي الشاب المسكين: لقد تعلمنا أن المادة لا تفنى، ولا تستحدث؟ وهو كلام يزلزل الإيمان، لولا حرارة ما أسمع. قلت: يا بُني إن الذين كتبوا هذا الكلام ذكروا نصف المعرفة بعد ما حرفوه عن موضعه. إن رب المادة هو الذي لا يفنى ولا يُستحدث، أما أنا وأنت فقد صح لنا وجود بعد أن لم نكن. أنا وأنت لسنا أزليين؟ تُرى من أوجدنا في بطون الأمهات؟ الخمسة أرطال من الأجهزة اللحمية التي تملأ تجويف البطن أهذه هي التي دفعت الأجنة لتخرج إلى الجو صارخة بعدما حرك الهواء الخارجي رئاتها؟ إنني أحتقر الغباء وكل ما ينتج عنه من أحكام، فدعني من مساخر هؤلاء الماديين. ربما ظن الطفل أن تحرك الصورة في المرآة يحدث من الصورة نفسها أو من سطح المرآة المصقول، وبعد قليل من رُشد سوف يدرك أن هذا التحرك يجىء من الجسم الذي يثبت الصورة، لا من الصورة المتوهمة. وناس كثيرون في طفولتهم العقلية ينسبون إلى المادة ما لا تعيه ولا تستطيعه، وقد تساءلت: من الذي صنع زخارف البصمات على أطراف الأصابع؟ الجلد نفسه؟ إنه منفعل لا فاعل. ولنترك عالم الجسم ـ على ما به من إبداع ـ إلى عالم أرقى، من الذي صنع الذكاء والغباء في عقولنا؟ أو من الذي صنع النزق والأناة في طباعنا؟ لننظر حولنا إلى"جندي مجهول"قام بهذا العمل الخارج، أنجد أحدا من الناس؟ أنجد عنصرا من العناصر؟. إن الأغبياء يتيهون أنفسهم عن الله عمدا، ويحاولون تجاهل القدرة العليا ببلاهة سمجة، وليس ذلك هو العجب، بل العجب أن من يفعل ذلك يريد أن يصف نفسه بالعلم، والتقدم، وألقاب أخرى... ص _070