فهرس الكتاب
ومن قديم جحد ناس كثيرون عمل الله في كونه، ونسبوا العمل إلى أقرب مظهر له، كما ينسب الطفل تحرك الصورة في المرآة إلى المرآة. قال زين بن خالد الجهني: صلى بنا رسول الله صلاة الصبح بالحديبية ـ إثر مطر سقط ليلا ـ فلما انصرف أقبل على الناس فقال:"هل تدرون ماذا قال ربكم؟"قالوا: الله ورسوله أعلم. قال:"قال الله: أصبح من عبادي مؤمن بي، وكافر. فأما من قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب. وأما من قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب". إن الذين يظنون الأشياء تحدث دون تقدير إلهي وهيمنة عليا ـ وهم في دنيانا الآن كثرـ كفار حقا. أما الذين يعرفون أن الله خالق كل شيء، وسائق كل فضل، فهم المؤمنون حقا. وسواء نسبوا العمل إلى الله، أو نسبوه إلى خلقه مجازا فهم مؤمنون بلا ريب، فمن قال: أنضج الصيف الفاكهة، يقصد أن الحرارة سبب الإنضاج، فهو مؤمن ولم يقل نُكرا، لأنه عارف أن الله هو الذي أخرج الزرع، وتفضل به على خلقه، إنما الإثم على من خلا من الله قلبه وفكره، ونسب الأشياء إلى أدنى سبب منها، وأبى أن يعترف بألوهيته وراء ما نلمح من أسباب، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام بين الحين والحين يكشف الغطاء عن الأسباب العادية، ويبين قيمتها ليربط الناس بربهم، ويجعل ذكره بين أعينهم. والله عز وجل لطفا منه بعباده قد يحرمهم ما يحتاجون إليه ليسارعوا إلى ساحته طالبين، ويسألون ملحين، فإذا أعطاهم أندثر مشاعر الشكر في أفئدتهم، وعادوا وقد ربا إيمانهم. وصلاة الاستسقاء، والحاجة، والاستخارة شرعت لذلك. وقد رأيت الناس في مكة ـ إذا تأخر المطرـ هرعوا إلى الصلاة، ص _071