الصفحة 76 من 137

لقد قام الليل إلا قليلا من أول أيام البعثة، ومضى على الدرب الطويل يواصل الصلاة والصيام والعطاء،"ويقاوم الوثنية والخرافات وعوج الجهال والمتعالمين. هل استراح يوما؟ كلا! كلما شعر أن الله اختاره لهذه الرسالة أفنى قواه في البلاغ والجهاد، وحطم العوائق ومضى في إعلاء اسم الله، فلا عجب إذ تنزل عليه قبيل الفتح الأكبر: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما) . إن الغفران هنا ليس لذنوب واقعة أو متوقعة، وإنما هو تبشير المجاهد في سبيل ربه بأنه نجح فيما كلف به، وإن الشعور بالتقصير أو العجز عن الوفاء بحقوق الله كما يحبها القائد الضخم أمر متجاوز عنه. لا ذنوب هنا مما يألف العوام، إنما هو إحساس نبي الأنبياء بأنه - وإن أذاب نفسه في مرضاة ربه - فهو مقصر في حقه، متخلف عن أداء واجباته العظام؛ من أجل ذلك كرمه الله، وساق له البشرى. وعندما يقول الله لعبد: غفرت لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فليس معنى هذا إسقاط التكاليف، وإعطاء المرء حرية أن يفعل أو يترك. هذا فهم بادي السوء والغفلة؛ وإنما المراد أن العبد بلغ مستوى من الرفعة لن ينحدر عنه، وأن مستقبله لن يكون إلا امتدادا لحاضر طيب موصول بالله مراقب له. وقد وُعد الرسول بهذه المغفرة الشاملة، كما أن الرسول بشر بهذه المكانة أهل بدر، وعثمان بن عفان لما أعطى مالا ضخما في غزوة العسرة. وفي الصحيح أن الله بشر بهذه المنزلة الرجل التائب الذي يستغفر الله من قلبه في أعقاب ذنبه قائلا:"علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويؤاخذ به.. افعل ما شئت فقد غفرت لك".. ص _087"

إن المفهوم من هذا أن الله يكتب للعبد حقه أو صفته من الحال الثابتة التي بلغها في حياته، ويسجلها له قبل وفاته، لأنه يعلم منه أنه لن يتعرض بعدها لنكسة... ص _088

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت