فهرس الكتاب
تعب كلها الحياة فما أعجب إلا من راغب في ازدياد فإنه لا يعني ما يعنيه الحمالون في محطات السكة الحديد، أو ما يعنيه الفلاحون وهم ينقلون الأتربة والبذور. وهذا كلام حسن، ومن السخف تصور المرسلين يقترفون خطايا الدهماء، إن ما يستغفرون له من أخطاء شيء آخر يتفق مع معادنهم المنتقاة. والنسبة أمر لا بد منه، فركاب الطائرات قد ينظرون من مكانهم العالي إلى ركاب القطارات، ولكن ركاب السفن الفضائية يضحكون من ركاب الطائرات.. ويأخذ الأمر صفة أخرى عند سكان الكواكب. على أن هناك منطقا آخر يتمم هذه النظرة التي شرحناها فيما ينسب إلى الأنبياء من ذنوب. إن الإنسان الواحد- فيما يمر به من أطوار الكمال- يمكن أن يكون عدة أناس، إنه يرقى من سماء إلى سماء، وحاله في الأولى أدنى من حاله في الأخرى، وهو إذ ينظر إلى دنوها- بالنسبة إلى ما صار إليه- يستغفر ربه، ويستصغر ما قدم له، ويعده فعلا رديئا ما كان ينبغي منه، وكلما مضى في معراج الارتقاء، وتكشف له من آيات الجمال الأعلى ازداد ولها بالتمجيد والتحميد، وازداد كذلك لهجا بالتوبة والاستغفار. ونحن على صعيدنا القريب عندما نرمق محمدا عليه الصلاة والسلام في عبادته وقيادته نرى أنه في فلكه العالي يرتفع من أفق إلى أفق، فآيات القرآن تزيد يوما بعد يوم، ومراحل الجهاد تطرد مرحلة بعد مرحلة، وأعباء الهداية العامة تشتد وطأتها، وتنداح دائرتها. إن الذي صاح على الصفا يدعو عشيرته الأقربين أخذ يكاتب ملوك العصر وجبابرة الأرض.. والذي خاصم نفرا يُعدون على الأصابع أول أمره شرع يعد الجيوش لمقارعة الضلال وكسر كبريائه.. ولمن هذه المعاناة الموصولة في جهاد النفس وجهاد الناس؟.. لله وحده. ص _086