الصفحة 95 من 137

الموضوع هو الذكر الجهير العالي لرب العالمين، وما رمي الجمرات إلا رمز. والحق أن الحج كله هو هذا الهدير الموصول بذكر الله من أمواج بشرية متصلة، لا شغل لها إلا الجؤار بالتلبية والهتاف بالتسبيح. ومن المؤسف أن رمي الجمرات تحول إلى عمل معنت تُزهق في زحامه أرواح ولا يستطيعه إلا أصحاب الجلادة والمغامرة! لماذا؟ لأن الرأي الفقهي السائد أن الرمي لا يصح إلا بين زوال الشمس وغروبها. فكانت الجماهير المتدفقة في ذلك الوقت العصيب تواجه المهالك، وقد رفضت شخصيا هذا الرأي لأني لم أعرف له إسنادا من كتاب أو سنة، ورميت في أوقات خفيفة الحر والزحام. ومما يُسر الآن أن الحكومة السعودية جعلت للرمي ميدانا أعلى وآخر تحته، وضبطت طريقي الذهاب والعودة، وفسحت المجال للقول بأن الرمي يصح خلال الأيام المعهودة ليلا ونهارا، فاستنقذت بذلك أرواحا وأعانت على طاعة ؛ إن هناك مسلمين يظنون الحج جملة مشكلات معقدة، وهؤلاء عسروا اليسير واختلقوا بدعا لا أصل لها حتى ظن البعض أن لكل شوط في الطواف دعاء خاص، وأن لكل شوط في المسعى دعاء خاصا، وأُلفت كتب لهذه الأدعية ما أنزل الله بها من سلطان. وهناك أشخاص معلولو الفكر يظنون السعي علي الأرض أولى من السعي في الدور الأعلى الذي أقامته الحكومة تخفيفا لأهوال الزحام، وكذلك في رمي الجمار يظنون أن الرمي على الأرض أهم من الرمي في الدور الأعلى!! وما يدري هؤلاء أن النبي عليه الصلاة والسلام طاف حول البيت فوق ناقته يشير إلى الحجر الأسود بعصاه من بعيد ؛ إن الحج عبادة رقيقة محبوبة أساسها الوقوف بعرفة والطواف حول البيت وبعض شعائر أخرى يمكن استيعابها بيسر دون قلق أو حرج. والدين كله يقوم على صدق الإخلاص ونُضج الأخلاق وحسن العلاقة بالله وبعباده، والقرآن الكريم يقول في الحج: ص _107

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت