وفي خلق آدم من تراب دلالة على قدرة الله تعالى وعلى عظمته، وأنه الذي يقول للشيء كن فيكون، وأنه الذي يفعل ما يريد؛ فقد جعل من التراب بشرًا سويًا، يأكل ويشرب ويتكلم ويبصر ويسمع ويمشي ويتحرك، وجعل خلافة الأرض فيه، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلًا، وسخر له ما في السموات والأرض، وفي خلقه من تراب دعوة إلى التواضع وترك التكبر والخيلاء؛ فإن من دواعي التراب الرزانة والثبات والسكينة والتواضع.
ومن الآيات في النفس خلق الإنسان من قطرة ماء حقيرة تخرج من بين الصلب والترائب، وتجمع من الذكر والأنثى، وجعلها في قرار مكين في ظلمات ثلاث، حتى أصبحت قطعة لحم ليس فيها عظم، ولو بقيت كذلك ما استطاع الإنسان أن يقوم ولا يتحرك ولا يدفع عن نفسه ضرًا ولا يجلب لها نفعًا؛ ولكن الله تعالى خطط هذه اللحمة وقواها بالعظام التي قام بها الجسد وتحرك؛ فما من مكان في الجسد إلا وفيه عظام إلا البطن واللسان، وجعل في هذه العظام (360) مفصلًا ولو لم توجد هذه المفاصل لكان البدن كقطعة الحديد الواحدة التي لا تنثني ولا تتحرك ولا تفيد صاحبها ولا تفيد غيره، واعلم أن كل مفصل يطالبك كل يوم بصدقة ينبغي أداؤها وأنت مدين بها حتى تؤديها، يقول - صلى الله عليه وسلم -: «يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة؛ فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ عن ذلك ركعتان تركعهما من الضحى» .