الصفحة 11 من 27

قال ابن عباس في هذه السورة: (نعى الله عز وجل فيها نبيه) وكأنه يقول للمؤمنين: (إن الرسول قد انتهت مهمته فاستعدوا لأن يفارقكم) فارقهم الرسول والدولة مستقرة والحمد لله كانت الجزيرة قد هديت، ولكن بمجرد أن تُوفي الرسول بدأت الفتن أكثر مما كانت عليه فقد ارتدت العرب إلا قليلًا، وحصر المسلمون في المدينة، ومر أبو بكر والصحابة بفتن يشيب لها الولدان: فتنة الردة كانت من أعظم الفتن.

وهذا خالد بن الوليد يقول: قاتلت فارس والروم فلم أجد قتالًا أشد من قتال بني حنيفة قوم مسيلمة الكذاب حتى أن القراء من المسلمين عملوا شيئًا ما عملوه في أي معركة من المعارك، كان القراء يدفنون أنفسهم حتى لا يفروا، يحفر المسلم لنفسه حفرة لصدره، ويدفن نفسه ويقف فيها كي لا يفر، ويقاتل وهو في مكانه، لذلك قتل أكثر حفظة القرآن واستشهدوا في هذه المعركة، وهذا الذي من أجله قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: (إن القتل استحر في أهل اليمامة وإني أرى أن تجمع القرآن، إني أخاف أن يذهب كثير من القرآن) فجمع القرآن كما جاء في صحيح البخاري، ثم جاءت فتن أعظم، فما خلصوا من فتنة الردة إلا وجابهوا أعظم دولتين، وجاء أبو بكر الصديق يقول للمؤمنين: نبدأ بفارس أم الروم أم تقاتلون الدولتين معًا؟ فدخل المسلمون في فتن يشيب لها الولدان، هؤلاء العرب المسلمون بأعدادهم القليلة في ذاك الوقت -كانوا ما بين ثلاثة ملايين وخمسة ملايين- يتوجهون إلى أعظم دولتين في ذلك الوقت، والخلاصة أنه لا يعز الإسلام إلا بجيل قد تربى على الإسلام، وصقلته تجاربه.

أعود فأقول لابد من اعتماد التربية وسيلة لإخراج الجيل، وكثير من الشباب المتحمس يريد أن يبني دولة الإسلام عن طريق قرار وجرة قلم من الحاكم، ولو كان هذا الحاكم في شعب منسلخ عن الدين، بعيد كل البعد عن الإذعان لمنهج الله، ومآل ذلك إلى أن يتحول الحاكم المسلم قبل هذا الشعب إلى سفاح وجلاد إذا أراد أن يقيمهم على الجادة، أو يسكت على انحرافهم، وهذه مصيبة أخرى.

* والخلاصة أنه لابد من جيل قد تربى وفق مواصفات الكتاب والسنة بتربية متدرجة ودخل الإيمان فعلًا قلبه، ويستطيع أن يتحمل تبعات الدعوة إلى الله وحمل هذه الأمانة.

الوصية الرابعة

تجييش الأمة كلها للدعوة إلى الله، وألا تكون الدعوة مهمة مجموعات

أو أفراد أو هيئات فقط، بل مهمة الأمة كلها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت