في اليوم التالي سنجد النساء في الطرقات، سيعود العري مرة ثانية، ما اختلف شيء لأن الذي استجاب بالعصا رجع إلى شيمته وإلى خلقه وما تربى ونشأ عليه، هذا الجيل الذي يتحول إلى الإسلام بالعصا والضرب لا يصلح في الحقيقة لعز الأمة، إنه لا يقيم مجد الأمة إلا من كان القرآن وازعه، وبالتالي إلا من تربى على الإسلام، وبالتالي إلا من اختار هذا الطريق. (ولست بهذا أهون من شأن السلطان المسلم ولا القرار الذي يحفظ الأمة من الفساد، بل السلطان المسلم لا شك أنه يهيئ المناخ الصالح لتنشئة أجيال الإسلام، ويجعل الفساد مقموعًا مخذولًا مختفيًا لا يضر إلا فاعله، ولكنني أحب هنا أن أبين أن الذين يتبعون الإسلام إيمانًا واختيارًا دون خوف السلطان هم الأتباع الحقيقيون والملتزمون الصالحون) . ولذلك أقول وأكرر أن الأمة تقوم على جيل: القرآن وازعه، والخوف من الله رادعه، أناس يخافون الله عز وجل بالسر والعلن، سواء أكان سوط الحاكم على رؤوسهم، أو لم يكن، بل يحركهم الدين والخوف من الله ويحركهم الإيمان بالله سبحانه وتعالى، هذا الجيل لا يمكن أن يتأتى إلا بتربية، ولذلك كان من حكمة الله ورحمته بهذه الأمة أن جيل الصحابة تربى التربية الكافية ولو أن الرسول من أول يوم دعا فيه الناس للإيمان جاءته كل قريش فدخلت في الإسلام في يوم واحد، ما تربى ولا خرج رجال، ولكن تأخر النصر إلى ثلاث عشرة سنة والمسلمون في الشدة العظيمة، والتعذيب والقهر والطرد والبلاء، حتى وجد الرجال، وفي السنوات الأخرى التي مكثها النبي في المدينة كانت أيضًا كلها فتن ومصائب لعلها أكثر من الفتن التي تعرض لها المسلمون في مكة، ذلك من أجل إخراج الجيل العظيم المبارك فالرسول نفسه أوذي في المدينة أعظم من الأذى الذي حصل له في مكة، وهذا كلام ليس مبالغًا فيه، بل أنا موقن من هذا، لأن الذي وقع له في المدينة أكبر بكثير من الأذى الذي وقع له في مكة، فالنبي سُبَّ في أهله، وقيل له: (أبعد عنا نتن حمارك) ، وقيل له: (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) ، وهذا الكلام في غاية الشدة، فالرسول لم يتعرض لمثل هذا الأذى في مكة ولا أوذي على هذا النحو في مكة، وكذلك قال تعالى للمنافقين: {أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون} .
فُتِنَ المسلمون في المدينة بفتن عظيمة جدًا، من أعظمها فتنة الخندق، وفتنة أحد، وكان المجرمون من اليهود من أمثال كعب بن الأشرف الذي كان يسب الرسول ويُشبب بالنساء المسلمات، والرسول في المدينة ومعه السيف، فلا شك أن هذا الجيل ما تربى عبثًا، وإنما تربى على تحمل من المشاق والفتن والمآسي والبلاء العظيم، ومرَّ بتجارب عظيمة صقلته، حتى خرج بالفعل جيلًا عظيمًا، وعندما انتصر المسلمون وبدأوا يرتاحون وفتحت مكة، وبدأ نوع من الراحة، أعلن الله لرسوله: (لقد انتهت مهمتك فاستعد للموت) {إذا جاء نصر الله والفتح* ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا* فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا} .