الوصية الأولى
البدء بدعوة الناس إلى تحقيق غاية وجودهم: عبادة الله وحده لا شريك له
أول محطة في طريق الدعوة أن نستطيع أن نقول: إنها نقطة المنطلق، لابد أن نعرف غاية الخلق وسر الوجود، وهذه النقطة قد فصَّلها الله تفصيلًا كاملًا في كتابه، وبينها النبي بيانًا كاملًا، وهي النقطة التي يدور عليها عمل الرسالات جميعًا، بل ما أقيمت السماء ووضعت الأرض إلا من أجلها، وهي باختصار: عبادة الله تبارك وتعالى وتوحيد الله عز وجل، فالله ما خلق الخلق إلا ليعبدوه، الخلق كله بعلوه وسفله: سماواته وأرضه، ملائكته، وإنسه وجنه، ما خلق الله شيئًا إلا ليكون هذا الشيء عبدًا له ومؤتمرًا بأمره ومنفذًا لحكمه، ومشيئة الله تبارك وتعالى نافذة في كل خلقه سواء كان كافرًا أو مؤمنًا: {أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعًا وكرهًا وإليه يرجعون} لا خروج لأحد عن دين الله عز وجل، حتى الكافر فهو في دين الله، وفي حكم الله، وفي قهر الله، وفي جبروت الله، وفي قبضة الله سبحانه وتعالى، لا انفكاك لأحد منا عن حكم الله وتصريفه، فتصرف الله في الكائنات نافذ، وأمر الله عز وجل الكوني القدري لا رادّع له، السموات والأرض مسلمة لله عز وجل، والكافر مسلم رغمًا عنه: بمعنى أنه لا ينفك عن قضاء الله وقدر الله فهو يولد بأمر الله، ويمرض بأمر الله، ويموت بأمر الله، ويرزق برزق الله، وكل ما يعمله إنما هو بمشيئة الله عز وجل: {والله خلقكم وما تعملون} {ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم} {ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون)، يعني لو شاء الله ألا يفعل الكفار كفرًا لما فعلوا، فهذه القضية الأساسية: أن الله عز وجل ما خلق الخلق إلا ليعبدوه، وأنه سبحانه شاءت حكمته أن يصطفي من البشر من يعبده، ويكرمه الله بهذه العبادة، ويرشده إليها ويوفقه إليها، وأن الله شاءت حكمته أن يكون هناك المتأبي على الله الذي لا يتبع هذا المنهج ويعارضه، ويكون مصيره الخذلان والنار، وهذه مشيئة الله النافذة: هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن} .
فهذه النقطة ينبغي أن تكون هي المنطلق الأول في الدعوة إلى الله عز وجل: الانتماء إلى هذه الأمة التي أوجدت لمهمة وهي: أن تدعو إلى عبادة الله التي من أجلها خلق الله السماوات والأرض، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وقامت المعركة بين الكفر والإيمان، والهدى والضلال: كل هذا من أجل هذه الكلمة {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليَّ إنما إلهكم إله واحد} {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} ، فالوحي يصيب في هذه النقطة ويبدأ من هذه النقطة {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين* لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} ، وبالتالي الأمة الإسلامية: يقولون عنها (أمة الفكرة) يعنون أمة