فهرس الكتاب
ويشدد في أمره، ويضعها حيث وضعها الله في مقدم الفرائض والواجبات، ويرتب عليها من النتائج ما هى جديرة بمآثره وآثاره في الأنفس والآفاق. وإن في ذكر التطهير والتزكية والتسكين مقرونة بتشريع الزكاة ما يسمح لكل ناظر في كتاب الله أو مستمع لهديه أن يدرك كنهه ويعلم حقيقته فإنها ألفاظ ومعان لا تذكر في كل حكمة من حكم التشريع، ولا يقصد إليها عند كل فريضة من فرائض الدين! بل هى لم تأت مجتمعة في هذا النسق البديع إلا لأغراض جلية. وغايات بعيدة وحقائق عظمى لا يقوم لها من فرائض الإسلام غير الزكاة، فإنها طهرة لنفوس من الشح والبخل، وطهرة للمجتمع من الحاجة والعوز، وتزكية للأمة- في دينها ودنياها- بإبعادها عما يقضى إليه ذلك كله، من الميول الخطرة، والمبادئ الهدامة والثورات الجائحة، التى لم يكن لها سبب في التاريخ أظهر من تمايز الطبقات- تمايزا غير معقول- بالغنى والفقر، والكثرة والقلة والجاه والذلة. وإن من الأحداث العالمية التى يفق بها الناس، وتموج بهم موجا في هذه الأيام، وتقف بعضهم بإزاء بعض كتلا وأحزابا، وتقسم الأرض إلى قسمين، شرقى وغربى و"بلشفى وديمقراطى"وما كان غير ذلك من مذاهب وآراء. قامت كلها على أساس الغنى والفقر، والثروة والعدم، والمنافسة في الدنيا، ومدافعة الاستئثار بها، إن في ذلك لأية على صدق القرآن في كلمته للرسول- عليه الصلاة والسلام- (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) وعلى صدق الرسول في كلمته إلينا:"اتقوا الظلم فإن الظلم- الظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإنه أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم". وفى الحديث"ثلاث مهلكات، شح مطاع ، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه...". ص _180