فهرس الكتاب
والزكاة- في عصرنا هذا- لم تعن بها حكومة من الحكومات الإسلامية ولم تحصر منابعها ولا مصارفها، وهى تظهر كتصرف فردى محدود عند أفراد من الأتقياء. ولا يوجد للآن ميل شعبى أو حكومى للقيام على هذه الفريضة الجليلة، لتؤدى رسالتها في دائرتها. ولا عجب فالدنيا لا تعرف فوضى اقتصادية كالتى تعرف في بلاد الإسلام. وقد أبنت فيما صدر من كتبى أن الزكاة لا تطهر أموال الكثرة الساحقة من كبرائنا، لأن أصولها جمعت من حرام. فالحملة على الزكاة ناشئة أولا عن الجهل بحقيقتها وعن المواطن التى تنفق فيها والأصول التى تؤخذ عنها. وهى ثانيا حملة على نظام غير موجود للأسف الشديد. ومن ثم فنحم نخشى أن تكون هذه الحملة موجهة لمشروعية الزكاة نفسها في الإسلام والأمر في هذه الحالة خطير، فالزكاة ليست نافلة تافهة، وشأنها لو نفذت ليست بالشأن الهزيل. ويقول صديقنا الشيخ سيد رجب في الكلام عن الزكاة وخطرها: إن المحبة والتراحم والمواساة والعطف، لمن أعظم الحقائق التى أقام الله عليها خلقه وأحكم بها أمره فهو سبحانه الرحمن الرحيم، ومن هذا المصدر الأسمى فاضت الرحمة على الخلق أجمعين، حتى تألف الجماد، وتعاطف الحيوان، وتراحم الإنسان، وتجاذبت الأفلاك، وأمسك الله السموات والأرض أن تزولا. ومن هذا كان الدين في دعوته إلى البر والإحسان- كما هو في سائر نواحيه- قائما على أساس الفطرة نفسها، داعيا إلى حق لو لم توجبه الشرائع لأوجبته الطباع، ولو لم ينزل به قرآن من السماء لتنزلت به حقائق الأشياء. وليست الزكاة إلا كلمة الله في تنظيم هذا البر والإحسان والمواساة. لذلك كانت فريضة من فرائض الدين في كل ملة، وشرعة من شرائع الاجتماع في كل أمة، وركنا من أركان الإسلام التى ينهض عليها بناؤه، وتتم بها كلمته وتزكو عليها أمته. ومن حق المشرع الإسلامى- وهذه مكانة الزكاة في الإسلام- أن يحرص عليها، ص _179