من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فقد ضل ضلالًا مبينًا.
أيها الأحبة في الله، أساس بعثة أنبياء الله -عز وجل- جميعًا؛ أنهم جاؤوا من أجل تعبيد الناس لربهم، ومن أجل إخلاص هذه العبودية له. و الإنسان أيها الإخوة الأحبة! مفطورٌ أن يكون عبدًا بفطرته، لا يستطيع لهذه الفطرة دفعًا ولا عنها انفكاكًا. الإنسان مفطورٌ بأن يكون عبدًا؛ إما أن يكون عبدًا لله -عز وجل-، وإما أن يكون عبدًا لغيره. و العبودية تقتضي التسليم المطلق لهذا الذي تعبده، وتقتضي نبذ العبودية عن غيره؛ وهكذا هي عبودية هذا المسلم لله -عز وجل-، فإنها عبودية له وحده -جل في علاه-، لا شريك له في هذه العبودية.
وعلى المرء أن يكفر بما يعبد من دون الله -سبحانه و تعالى-: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} ، {اعْبُدُوا اللَّهَ} : أي وحدوه في العبادة، وحدوه فيما يتعبد الإنسان به من أعمال النسك القائمة على الحب و على الخوف و على الرجاء، ووحدوه بالطاعة والالتزام بأمره ونبذ شرع سواه، ووحدوه في الحب، ووحدوه في الخوف، ووحدوه في الولاء، ووحدوه في البراء، {وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} .
و العبارات القرآنية أيها الإخوة الأحبة! لا يمكن للمرء أن يفهم كتاب الله إلا من خلالها، ولا بد أن يعرف مدلولها؛ فحدود الشرع مبنيةٌ على فهم هذه الكلمات، والخلل في فهم هذه الكلمات، يردي المرء بالمصائب و الطامات، ونسبة الخطأ إلى كتاب الله -عز وجل-؛ فإن عدم الفهم عن الله -عز وجل- في المصطلحات وفي الكلمات التي خاطبنا الله -عز وجل- بها، يفسد دين المرء ويفسد عليه فهمه لكتابه، ثم بعد ذلك يفسد عليه عبادته لله -سبحانه وتعالى-.
وأنتم تعلمون ما جر الخطأ والفساد في فهم كلمة الإيمان التي قالها الله في كتابه، ما جر هذا الخطأ من فساد التصورات على هذه الأمة؛ فمنهم من غلا فيها وأدخل فيها ما ليس منها، أو جعل ما كان في مرتبةٍ دنيا جعله في المرتبة العليا، وكذلك العكس؛ ما جر من الفتن، وما جر من الضلالات، وما جر هذا الفساد في فهم هذه الكلمة الجليلة، الكلمة الشريفة، كلمة الإيمان؛ ما جر من الفساد في دين الله -سبحانه وتعالى-، إذ نشأت الفرق وتنازعت الأمة، وأدى فساد هذه الكلمة في تصورات الناس، إلى ترك الكثير من أمر الله -سبحانه و تعالى-.
فأنتم ترون أن بعض الناس، علق تلك الوعود الإلهية في كتابه على الإيمان؛ إذ ما من وعدٍ في كتاب الله إلا وهو معلقٌ على الإيمان، كقوله: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} ، ولقوله -عز وجل-: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} . هذه الوعود الإلهية معلقة بالإيمان، فإذا فسد تصور المرء لهذه الكلمة، فسد