و رُوي أن عليا و أصحابه كانوا منزعجين من نشاط أبي موسى الأشعري ، في دعوته للناس باعتزال الطائفتين المؤمنتين المتقاتلتين ، لأن عمله هذا كان يصد الناس عن الالتحاق بهم . فمن ذلك خبران ، أولهما ما رواه الطبري بقوله: حدثنا عمر بن شبّة ، حدثنا أبو الحسن-المديني- حدثنا بشير بن عاصم عن ابن أبي ليلى ، عن أبيه أنه قال: لما سمع علي بن أبي طالب بأن واليه على الكوفة أبا موسى الأشعري يدعوا الناس إلى اعتزال الفتنة ، بعث إليه كتابا مع هاشم ابن عتبة ، يخبره فيه أنه أرسل إليه هاشم بن عتبة ليحرّض أهل الكوفة على الالتحاق به ، ثم قال لأبي موسى: (( فإني لم أولك الذي أنت فيه إلا لتكون من أعواني على الحق ) )، فلما وصل الكتاب إلى أبي موسى لم يستجب لعلي فيما أمره به من تجميع الناس و الوقوف معه . فكتب هاشم بن عتبة إلى علي يقول له عن أبي موسى: (( إني قد قدمت على رجل غال ظاهر الغل و الشنآن ) )- أي البغض- فأرسل إليه علي بن أبي طالب ، ابنه الحسن و عمار بن ياسر -رضي الله عنهم- ليستنفرا له الناس ، و بعث قرظة بن كعب الأنصاري أميرا على الكوفة خلفا لأبي موسى و كتب إليه يقول: (( إلى أبي موسى ، أما بعد فقد كنت أرى أن بعدك عن هذا الأمر ، الذي لم يجعل لك منه نصيبا ، سيمنعك من رد أمري . . . فاعتزل عملنا مذموما مدحورا ،و فإن لم تفعل فإني قد أمرته -أي قرظة بن كعب- أن ينابذك(1) ، فإن نابذته فظفر بك أن يقطّعك آرابا ))، فلما وصل الكتاب إلى أبي موسى اعتزل الإمارة (2) .
(1) المنابذة هي المفارقة عن خلاف و بغض ، و من معانيها أيضا المجاهرة بالحرب . علي بن هادية و آخران: القاموس الجديد ، الجزائر ، المؤسسة الوطنية للكتاب ، 1991 ، ص: 1180 .
(2) الطبري: المصدر السابق ج 3 ص: 35 .