الصفحة 17 من 45

فهذه الرواية صريحة في أن أبا موسى الأشعري كان يعمل على عكس سياسة علي بن أبي طالب ، مما جعله ينزعج منه و يذمه ،و يهدده باستخدام القوة ضده ، إن هو لم يعتزل إمارة الكوفة . و أن أبا موسى قد أزعج عليا و أصحابه عندما حث الناس على اعتزال الفتنة ،و عدم القتال مع أي طائفة من الطائفتين المتنازعتين . لكنني مع ذلك استبعد هذه الرواية ،و اعتقد أنها غير صحيحة في كثير مما ذكرته ، و ذلك لأمرين ، أولهما أن في إسنادها: ابن أبي ليلى عن أبيه ، و هو ليس بالقوي ،و مضطرب الحديث ،و لم يسمع من والده شيئا ، لأنه لم يدركه ، فقد توفي والده و هو طفل صغير (1) . و هذا يعني أن إسناد الرواية ضعيف ، فيه انقطاع و إرسال .

و الثاني أن متن الرواية فيه ما ينكر و يستهجن و يستبعد ، فهي زعمت أن أبا موسى الأشعري -رضي الله عنه- كان ظاهر الغل و البغض لعلي و أصحابه ، و هذا غير صحيح ، لأن أبا موسى سبق و أن ذكرنا أنه لم يكن يذم أحدا من المسلمين ، و إنما كان يحذّرهم من الفتنة ،و يثبّطهم عن المشاركة فيها شفقة عليهم .

كما أن في جواب علي لأبي موسى -رضي الله عنهما- شدة و مبالغة في الذم و التهديد و التوعّد بعزله و محاربته و تقطيعه إربا إربا إن هو أصر على بقائه أميرا على الكوفة . و هذا التصرّف-في اعتقادي- لا مبرر له و بعيد أن يصدر عن صحابي جليل كعلي بن أبي طالب ، تجاه صحابي جليل مسالم يدعوا إلى حقن دماء المسلمين .

(1) الذهبي: تذكرة الحفاظ ، ج1 ص: 171 .و أبو سعيد العلائي: جامع التحصيل ، ط2 بيروت ، عالم الكتب 1986 ، ص: 266 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت