و أما الصحابي الذي اعتزل القتال في الفتنة ثم التحق بعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه- في النهروان ، فهو أبو أيوب خالد بن يزيد الأنصاري -رضي الله عنه- و ذلك أنه اعتزل الطائفتين المتقاتلتين في معركتي الجمل و صفين ، ثم التحق بعلي عندما أرسلته إليه أم المؤمنين أم سلمة -رضي الله عنها - فحضر معه معركة النهروان في حربه للخوارج (1) .
و ختاما لمواقف الصحابة المعتزلين للفتنة ، أذكّر هنا بأن الصحابي الذي فرح بذهاب بصره قبل حدوث الفتنة ، هو: أبو أسيد مالك بن ربيعة الساعدي -رضي الله عنه- ، و ذلك أنه فقد بصره قبل استشهاد عثمان بن عفان- رضي الله عنه- فلما حدثت الفتنة قال: (( الحمد لله الذي متعني ببصري في حياة النبي-صلى الله عليه و سلم- ، فلم أراد الله الفتنة في عباده كف بصري عنها ) ) (2) .
و يتبيّن مما ذكرناه عن الصحابة المعتزلين للقتال في الفتنة ، أنهم اتخذوا موقفا مغايرا للطائفتين المؤمنتين المتقاتلتين ، فتميزوا به و مدحتهم الأحاديث النبوية لأجله ، و صوّبت موقفهم من الفتنة . و أنهم ساهموا في تحجيم الفتنة و التخفيف من حدتها ، بفضل جهودهم في دعوة الناس إلى اعتزالها ،و تجنيبهم الاكتواء بنارها .و أن من بين المعتزلين للفتنة صحابة كبار من السابقين الأولين من المهاجرين و الأنصار ، كسعد ابن أبي وقاص ،و عبد الله بن عمر ،و محمد بن مسلمة ، و سعيد بن زيد -رضي الله عنهم- و قد كانت معهم أحاديث نبوية صحيحة صريحة في ذم الفتنة و الحث على اعتزالها .
(1) الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، د ت ، ج 1ص: 153 . و الذهبي: نفس المصدر ، ج2 ص: 406، 410 .و الطبري: تاريخ الأمم ، ج3 ص: 6 .و محمد أمحزون: المرجع السابق ، ج2 ص: 171 .
(2) روى هذا الخبر الحاكم ( المستدرك ج3 ص: 591 ) .و الطبراني ،و رجاله ثقات . الهيثمي: مجمع الزوائد ، ج9 ص: 363 .