ولكن هذا الصنف _ مع الأسف _ قليل؛ لأن المصالح الخاصة قد طغت، فصارت المعاملة إلى النفعية أقرب منها إلى المروءة والإنسانية.
ولا ريب أننا بحاجة ماسة إلى كمية كبيرة من المشاعر الصادقة؛ حتى نحفظ الود فيما بيننا، ونبعد عن شبح الأوهام التي تعترينا، ولأجل أن تكون حياتنا مليئة بالمسرات، بعيدة عن المكدرات والمنغصات.
وإن المتأمل في حياتنا ليرى عجبًا؛ فلغة المشاعر التي تضفي علينا الدفء في قَرِّ الشتاء، وتهب علينا بالنسيم العليل في حر الهجير _ تكاد تنقرض عند فئام من الناس في هذه الأزمان.
كيف يكون ذلك؛ ونحن نتفيأ ظلال دين عظيم يرعى هذا الجانب حق رعايته، ويحذِّر من أن تتضاءل تلك العواطف النبيلة، فيضيع بسبب ذلك من حقائق الشريعة، وعزة أهلها ما يضيع؟!
ومن هنا جاء الإسلام بما يربي تلك المعاني، ويحييها في النفوس؛ فنصوص الوحيين _ التي لم تغادر صغيرة ولا كبيرة إلا وأحاطت بها إجمالًا أو تفصيلًا _ مليئة بتقرير تلك المعاني السامية التي تنهض بالمشاعر، وتقضي على روح الأثرة والقسوة، والغلظة والكزازة .
فلو أجلت فكرك في حِكَم الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج _ وهي أعظم دعائم الإسلام بعد الشهادتين _ لوجدت أن من أعظمِ حكمِ تشريعها مراعاةَ المشاعر، وقيامَ روح الألفة والمودة بين المسلمين.
ولو ألقيت نظرة فيما يقرره الشارع من أوامرَ ونواهٍ وما جرى مجرى ذلك لرأيت ذلك رأي العين.
ألا ترى أن الشارع يقرر ألا ننسى الفضل بيننا, وأن أحدنا لا يؤمن حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وأن المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يسلمه، ولا يحقره؟
أليس الشارع يأمرنا بستر عورات المسلمين, والسعي في قضاء الحوائج, وتنفيس الكر بات, وعيادة المرضى, وتشييع الجنائز؟.
أليس يأمر بإفشاء السلام, والرحمة بالخلق, والعطف عليهم, وحسن رعايتهم, ومداراتهم, والصبر على أذاهم.