فتجد من الأولاد من لا يرعى حق والديه, ولا يراعي مشاعرهما؛ فتراه لا يأنف من إبكائهما, وتحزينهما, ونهرهما, والتأفف والتضجر من أوامرهما, والعبوس وتقطيب الجبين أمامهما؛ فمن الناس من تجده في المجالس هاشًا باشًا حسن المعشر ليِّن العريكة؛ فإذا دخل المنزل, وجلس إلى والديه انقلب ليثًا هصورًا لا يلوي على شيء؛ حيث تتبدل حاله, فتذهب وداعته, وتحل غلظته وفظاظته.
ومن الأولاد من لا ينظر إلى والديه إلى شزرًا, قال معاوية بن إسحاق عن عروة بن الزبير _ رحمهم الله ورضي عنهم _: =ما بَرَّ والدَه مَنْ شَدَّ الطرفَ إليه+ [1] .
ومن قلة المراعاة لمشاعر الوالدين قلة الاعتداد برأيهما, والإشاحة بالوجه عنهما إذا تحدثا, وإثارة المشكلات أمامهما, وذمهما عند الناس، والقدح فيهما، والتبرؤ منهما، والحياء من الانتساب إليهما.
كل ذلك داخل في العقوق وقلة الرعاية لمشاعر الوالدين, وكأن هؤلاء لم يقرؤوا قوله _ تعالى _: [وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) ] الإسراء.
ولم يسمعوا قول النبي": =الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين, وقتل النفس, واليمين الغموس+ [2] ."
فحري بالولد أن يسعى سعيه في بر والديه؛ فيحسن إليهما, ويخفض الجناح لهما, ويصغي إلى حديثهما, ويتودد لهما بكل ما يستطيع من بر وصله, ويتجنب كل ما يفضي إلى العقوق والتكدير [3] .
(1) سير أعلام النبلاء للذهبي 4/433.
(2) رواه البخاري (6675) .
(3) انظر تفصيل ذلك في كتاب عقوق الوالدين, وكتاب رسائل في التربية والأخلاق والسلوك للكاتب ص15_57.