الصفحة 33 من 61

بذلك زمن المعجزات ودخل الإنسان بدين الإسلام في سن الرشد، فلم تعد مدهشات الخوارق هي الجاذبة له إلى الإيمان وتقويم ما يعرض للفطرة من الميل عن الاعتدال في الفكر والأخلاق والأعمال كما كان في سن الطفولية (النوعية) بل أرشده الله تعالى بالوحي الأخير (القرآن) إلى استعمال عقله في تحصيل الإيمان بالله وبالوحي ... [ثم قال:] فإيماننا بما أيد الله تعالى به الأنبياء من الآيات لجذب قلوب أقوامهم الذين لم ترتق عقولهم إلى فهم البرهان، لا ينافي كون ديننا دين العقل والفطرة وكونه حتم علينا الإيمان بما يشهد له العيان) [تفسير المنار: (1/ 315) ] . قلت: كلام الشيخ محمد عبده يوضح لنا موقف المدرسة العقلية الحديثة من المعجزات، فالأنبياء قبل محمد صلى الله عليه وسلم كانوا بحاجة إلى المعجزات، لأن عقول متبوعيهم لا يصلح لها إلا هذا وذلك لعجزها عن درك تلك المسائل، ولأن عقولهم بعد لم تبلغ سن الرشد، وأما بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم فقد بلغ الإنسان سن الرشد وارتقى عقله، فلا حاجة به إلى هذه المعجزات لترسيخ الإيمان في قلوبهم!.

وهناك ثمة أمر آخر لا بد من بيانه: وهو أن رجال المدرسة العقلية بالغوا في إثبات عبقرية محمد صلى الله عليه وسلم وزينوا بها كتبهم، وانخدع بها كثيرٌ من الناس، ولم يعلم أولئك أن ترويجهم لفكرة عبقرية محمد صلى الله عليه وسلم، هو على حساب نبوته صلى الله عليه وسلم، فإذا جُرد نبينا صلى الله عليه وسلم من معجزاته، سيقال بعدئذٍ: دين جاء به عبقري؛ والعبقري إنما يأتي بعلمه وفكره عن طريق كسبه. أما إذا قيل: دين جاء به نبي، فهو يعني دينٌ جاء بوحي من الله. ولنذكر بعضًا من كلام هذه المدرسة:

-... قال السيد رشيد رضا: ... بقي الكلام في مسألة العجائب التي بنيت على أساسها النصرانية على اختلاف مذاهبها، وفيما يدعونه من تجرد محمد صلى الله عليه وسلم من لباسها، وهي قد أصبحت في هذا العصر حجة على دينهم لا له، وصادة للعلماء والعقلاء عنه لا مقنعة به، ولولا حكاية القرآن لآيات الله التي أيد بها موسى وعيسى عليهما السلام، لكان إقبال الإفرنج عليه أكثر واهتداؤهم به أعم وأسرع!! لأن أساسه قد بني على العقل والعلم وموافقة الفطرة البشرية، وتزكية أنفس الأفراد، وترقية مصالح الاجتماع، وأما آيته - أي محمد صلى الله عليه وسلم- التي احتج بها على كونه من عند الله تعالى هي القرآن وأمية محمد عليه الصلاة والسلام، فهي آية علمية تدرك بالعقل والحس والوجدان.

كفاك بالعلم في الأمي معجزة ... في الجاهلية والتأديب في اليتم

وأما تلك العجائب الكونية فهي مثار شبهات وتأويلات كثيرة، في روايتها وفي صحتها ودلالتها، وأمثال هذه الأمور تقع من أناس كثيرين في كل زمان، والمنقول عن صوفية الهنود والمسلمين أكثر من المنقول عن العهدين العتيق والجديد وعن مناقب القديسين وهي من منفرات العلماء عن الدين في هذا العصر. ا هـ [تفسير المنار (11/ 155) ] . قلت: وفي الكلام السابق مغالطات شنيعة ما كان ينبغي أن يصدر من رجل كرشيد رضا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت