موضوع أتى بالمرقص المطرب, من نصاعة البيان, وصحة النظر وإتقان الاستدلال, واستيفاء الأدلة, وما يعتورها من ضعف وخلل, وإذا رد وناقض وناظر, أخذ بمخنق الخصم, وسد عليه المسالك, وأفحمه وألقمه الحجر, ولولا طغيان قلمه, وشدة لهجته, وتناوله الكبار بأسلوب غير لائق, لملأ الدنيا علما وهدى ورشدا, فإن الرجل نسيج وحده, في وفرة معارفه, وتعدد علومه, وإصابة فهومه, إلى إخلاصه في التعلم والتعليم, أوضاعه بذلك شاهدة, وأنظاره في مجالي العلوم رائدة,وسيرته نابضة بالزهد الحي في متاع الدنيا ومباهج الإمارة, وسحر الجاه ونفوذ الكلمة إيثارا لما عند الله تعالى, وانقطاعا لنصرة الحق والدعوة إليه, وجهاد الباطل وقبيله, بلسان أمضى من سيف الحجاج, في ميدان المناظرة والحجاج.
هذا وهو فرد في بلده, تنحاش إليه جماعة قليلة مستضعفة, ويغشاه للدرس والتلقي زمرة متسللة خائفة,تتسلل إليه لواذا تحت جنح الظلام, لاحق الأذى واضطهادُ الفقهاء جماعةً منهم حتى هاجروا بلدهم, وفارقوا أهلهم وعشيرتهم, أما هو فقد ألزموه قريته (مونت ليشم) ببادية (لبلة) , ولم يكتفوا بذلك حتى أحرقوا كتبه علنا, فأرسل إليهم يقول متحديا:
دعونيَّ من إحراق رق وكاغد ... *** ... وقولوا بعلم كي يرى الناس من يدري
وإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي ... *** ... تضمنه القرطاس بل هو في صدري
وهو في أثناء هذه الزعازع ثابت كالطود الأشم, يصك خصومه صكا, لا يواري ولا يداري, لا يفتأ يدعو إلى المناظرة.