والعجب العجاب أن خصومه ـ والدولة معهم وذو الجاه وأصحاب القرار كما يقال اليوم من ورائهم ودعاويهم في المعرفة والتمكن من المناظرة والفلج فيها ملأت الفضاء ـ ومع هذا كله فقد كانوا وما زالوا مضرب المثل المعروف (نسمع جعجعة ولا نرى طحنا) فهذا أبو الوليد الباجي [1] ـ وقد أنصفه أبو محمد فشهد له وهو خصمه اللدود أنه ليس للمالكية مثله ـ ألف كتاب (الفرق) فيما جرى بينهما من مناظرات, وللأسف فقد ضاع الكتاب, وبقيت الدعوى عارية عن الدليل, وبمقارنة آثار الرجلين الباقية,ولا سيما النقل وما إليه, لا يملك القارئ المنصف العارف إلا أن ينشد قول القائل:
سارت مشرقة وسرت مغربا ... *** ... شتان بين مشرق ومغرب
وهذا ابن سهل [2] صاحب كتاب (الإعلام بنوازل الأحكام) كتب كتابا بقيت منه أوراق وفصول قليلة وقفنا عليها, فإذا بالرجل ينسلخ من ثوب الوقار والأدب, ويتقمص سرابيل المعايرة والسباب والشتائم النابية التي تترفع عنها بنات الهوى عند كساد وركود ريح الفسق.
وبعد: فالكلام على أبي محمد طويل عريض, فقد ملأ الدنيا وشغل الناس , ويعنينا الآن ما سلم من عوادي الزمان من آثاره النفيسة, وأوضاعه العلمية الفريدة, فقد تجاوز ما
(1) هو سليمان بن خلف أحد كبار أئمة المالكية رحل إلى المشرق سنة ستٍ وعشرين وأربع مئة أو نحوها وطلب العلم هناك ورجع إلى الأندلس منافحا عن مذهب المالكية مناظرا ابن حزم له كتاب المنتقى بشرح الموطأ وإحكام الأحكام في أصول الفقه, أقام بمكة مع أبي ذر الهروي ثلاثة أعوام وحج فيها أربع حجج ثم رحل إلى بغداد فأقام فيها ثلاثة أعوام يدرس الفقه ويكتب الحديث ولقي فيها جلة من الفقهاء كأبي الطيب طاهر بن عبد الله الطبري رئيس الشافعية وأبي إسحاق إبراهيم بن علي الشافعي الشيرازي والقاضي أبي عبد الله الحسن بن علي الصيمري إمام الحنفية . وأقام بالموصل مع أبي جعفر السمناني عامًا كاملًا يدرس عليه الفقه . ,ولقي الخطيب البغدادي, وكان مقامه بالمشرق نحو ثلاثة عشر عامًا .توفي بالرباط في المغرب سنة 474 هـ كذا قال ابن بشكوال في الصلة
(2) هو القاضي أبو الأصبغ عيسى بن سهل بن عبد الله الأسدي القرطبي المالكي توفي سنة 486 هـ, قال فيه ابن بشكوال في الصلة: (كان من جلة الفقهاء وكبار العلماء حافظًا للرأي ذاكرًا للمسائل عارفًا بالنوازل بصيرًا بالأحكام مقدمًا في معرفتها وجمع فيها كتابًا حسنًا مفيدًا يعول الحكام عليه)