فهرس الكتاب
ومثال آخر: هذا الحديث حدّث به هذا الرجل في حال شبابه وحفظه على وجه، وحدّث به بعد شيخوخته ونسيانه على وجه آخر، فإننا نحكم على الثاني أنه مقلوب، وربما نطّلع أيضا على هذا من طريق آخر بحيث أننا نعرف أن الذي جعله تلميذا هو الشيخ، لأنه تقدم في عصره بمعرفة التاريخ0
ومتى وجدنا إسنادا فيه إبدال راو براو، فإننا نسميه مقلوبا، والمقلوب من قسم الضعيف، لأنه يدل على عدم ضبط الراوي، فهو من قسم الضعيف0
القسم الثاني: وهو ما ذكره المؤلف بقوله ( وقلب إسناد لمتن قسم ) ويعني أن يقلب إسناد المتن لمتن آخر0
مثاله: رجل روى حديثا من طريق واحد عن اثنين عن ثلاثة عن أربعة، وحديثا آخر من طريق خمسة عن ستة عن سبعة عن ثمانية، فجعل الإسناد الثاني للحديث الأول، وجعل الإسناد الأول للحديث الثاني، فهذا يسمى قلب إسناد، والغالب أنه يقع عمدا للاختبار، أي لأجل أن يختبر المحدّث، كما صنع أهل بغداد مع الإمام البخاري، وذلك لما علموا أنه قادم عليهم، اجتمعوا من العراق وما حوله وقالوا: نريد أن نختبر هذا الرجل، فوضعوا له مائة حديث ووضعوا لكل حديث إسنادا غير إسناده، وقلبوا الأسانيد ليختبروا البخاري رحمه الله وقالوا: كل واحد منكم عنده عشرة أحاديث يسأله عنها، ووضعوا عشرة رجال حفاظ أقويا، فلما جاء البخاري رحمه الله واجتمع الناس، بدأوا يسوقون الأسانيد كلها حتى انتهوا منها، وكانوا كلما ساقوا إسنادا ومعه المتن قال البخاري: لا أعرفه، حتى أتموها كلها، فالعامة من الناس قالوا: هذا الرجل لا يعرف شيئا، يُعرض عليه مائة حديث وهو يقول: لا أعرفها! ولكن العلماء بالحديث عرفوا أنه عارف بالحديث، لأن البخاري يقول: لا أعرفه، يعني لا أعرف هذا السند يركب على هذا الحديث، ثم قام رحمه الله بعد ذلك وساق كل حديث بإسناده الصحيح، حتى انتهى من المائة كلها، فعرفوا أن الرجل آية من آيات الله في الحفظ، فأقرّوا وأذعنوا له0