فهرس الكتاب
- 📄
الذي ينقدح فيه والعلم عند الله تعالى أن الهواء لا يضر من حيث أنه يلاقي ظاهر البدن من حيث دوام الاستنشاق له فإنه إذا كان فيه عفونة) وتغير (ووصل إلى الرئة والقلب وباطن الأحشاء أثر فيها بطول الاستنشاق فلا يظهر الوباء على الظاهر إلا بعد طول التأثير في الباطن) قال ابن سينا وغيره من حذاق الأطباء الطاعون مادة سمية تحدث ورما قتالا يحدث في المواضع الرخوة والمغابن من البدن وأغلب ما يكون تحت الأبط وخلف الأذن وعند الأرنبة قال وسببه دم رديء مائل إلى العفونة والفساد يستحيل إلى جوهر يفسد العضو ويغير ما يليه ويؤدي إلى القلب كيفية رديئة فيحدث ألقيء هو الغثيان والغشي والخفقان وهو لرداءته لا يقبل من الأعضاء إلا ما كان أضعف بالطبع وأردؤه ما يقع في الأعضاء الرئيسة ثم قال والطواعين تكثر عند الوباء في البلاد الوبيئة ومن ثم أطلق على الطاعون وباء وبالعكس قال وأما الوباء فهو فساد جوهر الهواء الذي هو مادة الروح ومدده ولذلك لا يمكن حياة الإنسان بل جميع الحيوان بدون استنشاقه بل متى عدم الحيوان استنشاق الهواء مات وقال ابن نفيس في الموجز الوباء ينشأ عن فساد يعرض لجوهر الجواهر بأسباب سماوية أو أرضية فمن الأرضية الماء الآسن والجيف الكثيرة كما يقع في مواضع المعركة إذا لم تدفن القتلى والتربة الكثيرة التعفن وكثرة الحشرات والضفادع ومن السماوية كثرة السيب والرجوم في آخر الصيف وكثرة الجنوب والضياء في الكافونين وإذا كثر المطر في الشتاء ولم تمطر (فالخروج من البلد لا يخلص غالبًا من الأثر الذي استحكم من قبل ولكن يتوهم الخلاص فيصر هذا من جنس الموهومات كالرقي والطيرة وغيرهما ولو تجرد هذا المعنى لكان مناقض2ًا للتوكل ولم يكن منهيًا عنه) لأنه غير متيقن (ولكن صار منهيًا عنه) كما في الأخبار السابقة (لأنه أنضاف إليه أمر آخر وهو أنه لو رخص لأصحابه في الخروج) من البلد (لما بقي في البلد إلا المرضى الذين أقعدهم الطاعون فانكسرت قلوبهم وفقدوا المتعهدين) القائمين بخدمتهم من تحريض وتجهيز (ولم يبق في البلد من يسقيهم الماء ويطعمهم الطعام وهم يعجزون عن مباشرتهما بأنفسهم فيكون ذلك) الخروج (سعيًا في إهلاكهم تحقيقًا وخلاصهم منتظر كما أن خلاص الأصحاء منتظر فلو أقاموا لم تكن الإقامة قاطعة بالموت ولو خرجوا لم يكن الخروج قاطعًا بالخلاص وهو قاطع في إهلاك الباقين والمسلمون كالبنيان يشد بعضهم بعضًا) وقد روى الشيخان والترمذي والنسائي وابن حبان من حديث أبي موسى والرامهر نرى في الأمثال من حديث أبي هريرة وأبي سعيد المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا (والمؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى إليه سائر الأعضاء) رواه مسلم من حديث النعمان بن بشير بلفظ المؤمنون كرجل واحد أن اشتكى رأسه تداعى إليه سائر الجسد بالحمى والسهر وفي لفظ له المسلمون كرجل واحد ورواه أحمد وأبو نعيم في الحلية بلفظ أن اشتكى رأسه اشتكى كله ورواه الرامهر فرى في الأمثال بلفظ المسلمون كالرجل والواحد أن اشتكى عضو من أعضائه تداعى له سائر جسده وقد روى نحوه من حديث سهل بن سعد المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد يألم المؤمن لأهل الإيمان كما يألم الجسد لما في الرأس رواه ابن المبارك وأحمد والروياني والطبراني وأبو نعيم في الحلية والضياء (فهذا هو الذي ينقدح عندنا في تعليل النهي) اعلم أن بعض أهل العلم ذكر أن النهي عن الخروج من البلد الذي وقع فيه الطاعون فرارًا منه أمر تعبدي لا يعقل معناه إذ الفرار من المهالك مأمور به وقد صح النهي هنا فكان السرفيه لا تعلم حقيقته فالأولى فيه التسليم والامتثال * وذهب كثيرون إلى التعليل وذكروا لذلك حكمًا منها ما ساقه المصنف هنا وحاصله أنهم لو تواردوا على الخروج لبقي من وقع به عاجزًا عن الخروج فضاعت مصالح المرضى لفقد من يتعهدهم والموتى لفقد من يجهزهم ولما في خروج الأقوياء من كسر قلوب من لا قدرة لهم على الخروج ومنها أن الطاعون في الغالب يكون عامًا في البلد الذي يقع به فإذا وقع والشخص بها فالظاهر مداخله سببه له فلا يفيده الفرار منه بل أن كان أجله حضر فهو ميت سواء أقام أو رحل وكذا بالعكس ولهذا رجح من رجح أن تصرفات الصحيح في البلد الذي يقع فيه الطاعون كتصرفات المريض مرض الموت ومنها أن الخارج يقول لو لم أخرج لمت ويقول المقيم لو خرجت كما خرج فلان @