الصفحة 42 من 47

إذا القوم قالوا من فتىً خلت أنني عنيت فلم أكسل ولم أتبلد

فإذا كان الشاعر يحمل نفسه وحده عبء كل مهمة , فالناس اليوم يبعدون عن أنفسهم ماوجب عليهم القيام به , ويؤثرون الخمول والكسل والتبلد .

هذا النمط المشؤوم من ركود العزم وإنطفاء الأمل , يريد أن يطعم وهو قاعد , وأن يهرب من كل مسؤولية , إن طول الحياة وعرضها في عينه لايتجاوز شبرًا في شبر , هما طول بطنه وعرضه .

لقد كان أشنع مايهجى به المرء أنه لايهتم إلا بطعامه وكسائه , ولا يبالي بأعالي الأمور , فهذا ( الحطيئة ) قد هجا ( الزبرقان ابن بدر ) في عهد عمر رضي الله عنه فقال في هجائه:

دع المكارم لاترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

فهاج ( الزبرقان ) وماج وشكا الأمر إلى أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب رضي الله عنه , فسأل عمر ( حسان ابن ثابت ) عن قيمة هذا الهجاء فقال: ( الأمر أفحش من الهجاء , وإن أقذع الهجاء لأهون من هذا بكثير , وإنه لدنس صبه عليه لاتقوم به كرامة ) فقضى عمر بحبس الشاعر ... ( الإسلام والطاقات المعطله \ محمد الغزالي ) .

نعم هكذا كانت نظرة سلفنا الصالح للحياة والعمل فيها , لأن الذي يحيا ليأكل ويشرب ماهو إلا كالبهائم , أما الإنسان فإنه يحيا لعمر هذه الأرض بالعمل الصالح وليكون خليفة في الأرض ,والعجيب أن هذا الذي كان هجاءً وذمًا أصبح مفاخرة ومباهاة في واقع المسلمين المعاصر وأصبحت ترى من يقول:

إنما الدنيا طعام وشراب ومنام فإذا فاتك هذا فعلى الدنيا السلام

وأصبحت ترى في هذه الأمة من يتفنن في أنواع الهزل والفكاهة والضحك , ويخترع كل جديد من وسائل قتل الفراغ واستهلاك الأوقات وامتصاص الطاقات ... حتى أن بعض وسائل الإعلام - التي كان المفروض فيها أن تبث الوعي وتستنهض الهمم - أصبحت ترسخ مفاهيم الإستهتار واللامبالاة والتسبب والأنانية , وتشجع على إضاعة الوقت , وإغراق الناس في اللهو والضحك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت