الصفحة 81 من 108

وعنه قال: " أنتم أطول صلاة وأكثر اجتهادًا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم كانوا أفضل منكم؟ قيل له: بأي شيء؟ قال: إنهم كانوا أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة منكم ".

قال ابن رجب رحمه الله: " وليس الذم راجعًا إلى مكان الدنيا الذي هو الأرض التي جعلها الله لبني آدم مهادًا وسكنًا، ولا إلى ما أودعه الله فيها من الجبال والبحار والأنهار والمعادن، ولا إلى ما أنبته فيها من الشجر والزرع، فإن ذلك كله من نعمة الله على عباده بما لهم فيه من المنافع، ولهم به من الاعتبار والاستدلال على وحدانية صانعه وقدرته وعظمته، وإنما الذم راجع إلى أفعال بني آدم الواقعة في الدنيا، لأن غالبها واقع على غير الوجه الذي تُحمد عاقبته، بل يقع على ما تضر عاقبته، أو لا تنفع ".

3 -أن من أسباب محبة الله الزهد في الدنيا، لأن الإنسان لا يزهد في الدنيا حقيقة إلا من أيقن بالجنة.

وقد ذكر العلماء أمورًا تعين على الزهد في الدنيا:

أولًا: النظر في الدنيا وسرعة زوالها وفنائها واضمحلالها ونقصها وخستها.

ثانيًا: النظر في الآخرة، وإقبالها ومجيئها ولا بد، ودوامها وبقائها، وشرف ما فيها من الخيرات والمسرات.

ثالثًا: أن ذلك سبب لراحة البدن والقلب.

كما قال الحسن: " الزهد في الدنيا يريح البدن والقلب ".

4 -فضل الاستغناء عما في أيدي الناس، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعله سببًا لمحبة الناس لك.

لأنهم منهمكون على محبتها بالطبع، فمن زاحمهم عليها أبغضوه، ومن زهد فيها وتركها لهم أحبوه.

وقد جاء في حديث سهل بن سعد مرفوعًا (شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس) رواه الطبراني وحسنه الألباني.

وقال الحسن: " لا تزال كريمًا على الناس، أو لا يزال الناس يكرمونك ما لم تعاط ما في أيديهم، فإذا فعلت ذلك استخفوا بك، وكرهوا حديثك وأبغضوك ".

وقال أيوب السختياني: " لا ينبل الرجل حتى يكون فيه خصلتان: العفة عما في أيدي الناس، والتجاوز عما يكون منهم ".

وكان عمر يقول في خطبته: " إن الطمع فقر، وإن اليأس غنى، وإن الإنسان إذا أيس من الشيء استغنى عنه ".

وقال أعرابي لأهل البصرة، " من سيد أهل هذه القرية؟ قالوا: الحسن، قال: بما سادهم؟ قالوا: احتاج الناس إلى علمه، واستغنى هو عن دنياهم ".

قال ابن رجب رحمه الله: " وقد تكاثرت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأمر بالاستعفاف عن مسألة الناس والاستغناء عنهم، فمن سأل الناس ما بأيديهم، كرهوه وأبغضوه، لأن المال محبوب لنفوس بني آدم، فمن طلب منهم ما يحبونه، كرهوه لذلك ".

الحديث الثاني والثلاثون

عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري. أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال (لا ضرر ولا ضرار) حديث حسن رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما مسندًا، ورواه مالك في الموطأ عن عمرو بن يحيي عن أبيه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلًا، فأسقط أبا سعيد، وله طرق يقوي بعضها بعضًا.

معاني الكلمات:

لا ضرر: الضرر ضد النفع، أي لا يضر الرجل أخاه ابتداء.

ولا ضرار: الضرار هو أن يضر بالغير.

الفوائد:

1 -تحريم إلحاق الضرر بالغير، وهو ينقسم إلى قسمين:

القسم الأول: أن يكون الغرض من ذلك الضرر.

فهذا لا ريب في قبحه وتحريمه، وقد ورد في القرآن النهي عن المضارة في مواضع:

منها: في الوصية.

قال تعالى {من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت