فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 119""""""
محاسن الزهد
قال محمد بن الحسن عن أبي تمام ، وكان قد عرف ضيغمًا: كنت معه في طريق مكة ، فلما بعدنا في الرمل ، نظر إلى ما تلقى الإبل من شدة الحر ، فبكى ضيغم ، فقلت: لو دعوت الله أن يمطر علينا ، كان أخف على هذه الإبل ، قال: فنظر إلى السماء وقال: إن شاء الله فعل ، قال فو الله ما كان إلا أن تكلم ، حتى نشأت سحابة ، فهطلت . وعن عطاء بن يسار أن أبا مسلم الخولاني خرج إلى السوق بدرهم يشتري لأهله دقيقًا ، فعرض له سائل فأعطاه بعضه ، ثم عرض له سائل آخر فأعطاه الباقي ، فأتى النجارين فملأ مزوده من نشارة الخشب ، وأتى منزله فألقاه ، وخرج هاربًا من أهله ، فاتخذت المرأة المزود فإذا دقيق حواري ، لم تر مثله فعجنته وخبزته ، فلما جاء قال: أين لك هذا ؟ قالت: الدقيق الذي جئت به . وعن أبي عبد الله القرشي ، عن صديق له قال: دخلت بئر زمزم فإذا بشخص ينزع الدلو مما يلي الركن ، فلما شرب أرسل الدلو ، فأخذته ، فشربت فضلته ، فإذا هو سويق لم أر أطيب منه ؛ فلما كانت القابلة في ذلك الوقت جاء الرجل ، وقد أسبل ثويه على وجهه ، ونزع الدلو فشرب ثم أرسله فأخذته فشربت فضلته فإذا هو ما مضروب بالعسل ، لم أر شيئًا قط أطيب منه ، فأردت أن آخذ طرف ثوبه فانظر من هو ففاتني ، فلما كان في الليلة الثالثة قعدت قبالة زمزم في ذلك الوقت ، فجاء الرجل ، وقد أسبل ثوبه على وجهه ، فنزع الدلو ، فشرب ، وأرسله ، وأخذته ، وشربت فضلته ، فإذا هو أطيب من الأول ، فقلت: يا هذا أسالك برب هذه البنية من أنت ؟ قال: تكتم علي حتى الموت ؟ قلت: نعم . قال لي: أنا سفيان الثوري ، وكانت تلك الشربة تكفيني إذا شربتها إلى مثلها لا أجد جوعًا ولا عطشًا . وقال الأصمعي: أرأيت إعرابيًا يكدح جبهته في الأرض يريد أن تجعل سجادة . فقلت: ما تصنع ؟ قال: إني وجدت الأثر في وجه الرجل الصالح . وقال الشاعر: كيف يبكي لمحبس في طلول . . . من سيقضي ليوم حبس طويل إن في البعث والحساب لشغلًا . . . عن وقوف برسم ربع محيل