فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 46

ومعلوم أن الغالب يعمل جاهدًا على فرض حضارته وأخلاقه وذوقه على سائر الناس؛ ذلك أنه هو المسيطر، ومن عزَّ بزَّ، ومن غلب استلب، فهم يريدون من الآخرين أن يحاكوهم في كل شيء، وأن يذوبوا في شخصيتهم فلا يبقى لأحد كيان مستقل، ولا يكون لأحدٍ وجود مؤثر خارجٌ عن نطاق إرادتهم، هكذا يريدون، والله -عز وجل- يهيئ لهذه الأمة ما شاء.

إن المجتمعات لا تخلو من وجود الفساق، ولا تخلو من وجود المبتدعة، وذلك لا شك أنه يؤثر، والخلطة لا شك أنها تكون سببًا لإيصال أخلاق الآخرين وعاداتهم، وقد أحسن وصدق من قال: (الطبع سرَّاق) .

والناس كأسراب القطا جبلوا على تشبه بعضهم ببعض، فكان لابد من بيان هذه الأحكام، ولابد من طرح هذا الموضوع؛ من أجل أن يكون عند المسلم حصانة تقيه -بإذن الله تبارك وتعالى- من الوقوع في مثل هذه المتاهات، وهم لا يشعرون بذلك.

ثانيًا: ما هي حقيقة التشبه؟:

التشبه هو المحاكاة، فإذا حاكيت غيرك في قوله أو في فعله أوفي سائر شؤونه فإنك تكون قد تشبهت به.

وحقيقته في معناه الشرعي: هو محاكاة من تقصد مباينته في شيء من خصائصه مطلقًا، وفي غير ما يختص به قصدًا.

إذا حاكينا غيرنا ممن أراد الله -عز وجل- أن نباينه في شيء من خصائصه والأمور التي أختص بها دون غيره فإن هذا هو التشبه، سواء قصدنا بذلك المشابهة أو لم نقصد ذلك، وأما في الأمور التي لا تختص به فإن ذلك يعود إلى قصد الفاعل.

فهذا الماء لا شك أنه شيء حلال ولا يقول أحد بأنه محرم، ولكن متى يأثم الإنسان إذا شرب هذا الكأس؟

لو أن أحدًا من الناس شرب هذا الماء على طريقة شرب الخمر -كما يفعل شُرّاب الخمور- حيث يضرب كأسًا بالآخر، ثم يضربه ويقول بعض الكلمات، عند ذلك لا شك أن هذه المحاكاة محرمة، ويأثم بهذه الطريقة التي شرب فيها هذا الماء الزلال، وقد ذكر هذا جمع من أهل العلم كالشاطبي -رحمه الله- وغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت