ومن أمثلة ذلك: تغميض العينين في الصلاة، إذ لا شك أنه أمر مذموم؛ لما فيه من مشابهة اليهود في عبادتهم وصلاتهم، ولكن لو صلى المسلم في مكان يعج بالملهيات، فأغمض عينيه من أجل أن يحصل الخشوع في مثل هذه الحالة خاصة -وليس دائمًا- فنقول: له ذلك؛ لأن ما نهى عنه من باب النهي عن الذرائع، فإنه يجوز للمصلحة الراجحة.
ومن أمثلة ذلك: أن يلبس المسلم زي الكفار، إذا كان في بلادهم وخشي على نفسه الضرر فإنه يجوز أن يتزيا بزيهم، ولا يكون في هذه الحال مذمومًا، ولا متشبهًا بهم -كما ذكر ذلك الشيخ تقي الدين ابن تيمية -رحمه الله- في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم) -؛ وذلك لدفع مفسدة، وهي خشية الضرر على نفسه، أو لتحصيل مصلحة راجحة، كأن يأتي بأخبارهم للمسلمين، وأن يطلع على عوراتهم.
وبالمقابل يقال: إن الفعل إذا كان يفضي إلى مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة فإنه ينهى عنه، كالصلاة في أوقات النهي، فنحن منهيون أن نصلي بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب، وقد علل ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن الشمس تطلع بين قرني شيطان، وتغرب بين قرني شيطان، وعندئذٍ يسجد لها الكفار [1] .
فنحن منهيون عن الصلاة في هذه الأوقات لما فيه من محاكاة الكفار ومن التشبه بهم، وليس فيه مصلحة راجحة.
وكذلك أيضًا اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، ليس فيه مصلحة راجحة، بل فيه مفسدة راجحة، وهي أن تعبد هذه القبور من دون الله -تبارك وتعالى-.
(1) رواه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها - باب إسلام عمرو بن عبسة (832) (ج 1 / ص 569) .