القاعدة الثالثة:"ما كان منهيًا عنه للذريعة فإنه يفعل للمصلحة الراجحة": وهذه من أنفع القواعد؛ ذلك أن الأمور المنهي عنها إما أن تكون منهي عنها قصدًا، وإما أن تكون منهي عنها من باب النهي عن وسائل الفساد، يعني نهي عنها لا لضرر فيها، وإنما لما تفضي إليه من المفاسد، فهذه يقال لها: الذرائع، فمثلًا:
البناء على القبور وتجصيص القبور أمر محرم، لكن هل هو محرم لذاته؟ أو أنه محرم لأنه يفضي إلى أمر نهى عنه الشارع وحرمه، وهو عبادة هذه القبور من دون الله تبارك وتعالى؟
لا شك أن النهي عن الكتابة على القبور وعن تجصيصها، وعن البناء عليها، وعن الصلاة في المقابر إنما كان من باب الوسائل؛ لأنه يفضي إلى عبادة هؤلاء المقبورين وتعظيمهم من دون الله تبارك وتعالى.
فالقاعدة في هذا الباب أن كل ما كان منهيًا عنه للذريعة -يعني من باب الوسائل- فإنه يفعل للمصلحة الراجحة، وأمثلة ذلك كثيرة، ومنها:
جاء النهي عن زخرفة المساجد، وأن ذلك من فعل غير المسلمين، وفي عهد عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- لما ولي الخلافة كان جامع دمشق قد زين بألوان التحف والأحجار النفيسة، فلما كانت خلافة عمر أراد أن ينزع ذلك جميعًا من سواري المسجد ومن جدرانه، وقد بذل المسلمون فيها الأموال الطائلة، فلما قال ذلك لخاصته قالوا له: إن هذه قد بذلت فيها أموال المسلمين، وجلبت من بلاد الروم، وتعب المسلمون فيها، فبينما هم كذلك يتشاورون في هذا المعنى، إذ جاء رجل عظيم من أهل دين النصارى من الروم، فلما دخل جامع دمشق نظر إليه فعظمّه، وقال: إن أمة قد بنت هذا إنها أمة عظيمة لها شأن!
عظمت هذه الأمة في عينيه، فلما رأى ذلك عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- امتنع من إزالة تلك الأحجار من سواري المسجد ومن جدرانه، فتزيين هذه الجدران منهي عنه من باب الوسائل، فتركه عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- لوجود مصلحة راجحة وهي ما ذكرنا.