كتبت لك هذه المذكرة لغرض نبيل، نافذة على دار النعيم، وصغتها على شكل بحث لطيف، قُلْتها بلساني وقيَّدتها ببناني، قصدت بها وجه الله ونفع إخواني، ووصفت لك نعيمها وسرورها حتى لكأنك تراها فتشتاق نفسك ويحسن عملك ويعظم رجاؤك؛ فإن من رجا شيئًا طلبه، ولست أعني بالرجاء رجاء من ينهمك في المعاصي مع التعويل على كرم الله وعفوه من غير توبة ولا عمل؛ فهذا في الحقيقة غرور.
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها
إن السفينة لا تجري على اليبس
لكن الرجاء المحمود يكون بعد بذل الأسباب والاجتهاد في العمل؛ فلا يوصل إلى الجنة إلا على جسر من التعب؛ فقد جعل الله طريق الجنة وعرًا وحفَّه بالمكاره والصعوبات؛ فهو يحتاج منك إلى احتياط واحتراز وتشمير وجَدٍّ وعزم؛ ففي الحديث: «ألا مشمر للجنة، فإن الجنة لا خطر لها» [رواه البزار] .
ورغم صعوبة طريق الجنة وعظم تكاليفه فإن نهايته الجنة، وإذا بلغ العبد تلك الدار وجد فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وهم فيها خالدون، وجد نعيمًا صافيًا دائمًا وسعادة أبدية.
إن الواحد إذا بنى له دارًا في الدنيا تعب ونصب، وقد يسقط أثناء البناء فتنكسر رجله، ومع ذلك يصبر ويستمر في البناء؛ فكيف تريد أن تتخذ دارًا بجوار رب العالمين وقصورًا في عليين، لبنة من ذهب ولبنة من فضة، حصباؤها الدر والياقوت، وفرشها بطائنها من إستبرق، وحور عين، ولا تبذل أدنى مهر لها.
يقول يحيى بن معاذ: قلوب من التقوى خراب، وذنوب كعدد الرمال، وأعمال كالسراب، وتطمع في الكواعب الأتراب وجوار الكريم الوهاب، هيهات هيهات.
وإذا عرفت هذا كله فإليك هذه النافذة على دار النعيم لترى ما في حشوها من مسرات وأصناف اللذات. ومصدر حديثنا عن دار السلام هو الكتاب والسنة؛ إذ الأول كتاب من أوجدها وخلق أهلها وعرفهم لها، أما السنة فإنها أخبار من دخلها ووطأت أقدامه أرضها.