جمعتها لتكون هذه النافذة للمحزون سلوة، وللمشتاق جلوة، ومحركة للقلوب، وحادية للنفوس، ويزيد الناظر فيها إيمانًا، وينزر للجنة كأنه يشاهدها عيانًا، وجل المقصود بها بشارة أهل الإيمان، ومحركة للهمم إلى دار الأمان، نسأل الله أن يجعل أعلى الفردوس مأوانا ومثوانا بفضله ورحمته.
أخي القاري هات يدك نتجول قليلًا في دار السلام بين أنهار الجنة والأشجار والخدم والمطاعم والمشارب وسائر ألوان النعيم والسرور؛ لنمتع النفس ساعة قبل قيام الساعة.
فإذا خرج أهل الجنة من قبورهم ينفضون عن رؤوسهم التراب، ويقولون: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، يستقبلون بنوق بيض عليها رحال الذهب وأزمتها الزبرجد، لم تر الخلائق مثلها، يركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة وهم راكبون، تُقاد هذه النوق ويسيرون عليها ويتجهون إلى الجنة، يقول الله تعالى: { وَسِيقَ الَّذينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا } [الزمر: 73] . فتفتح لهم أبواب الجنة؛ لأن الله قال عنها { مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأَبْوَابُ } [ص: 50] ، فإذا رأوها من بعيد تكاد أكبادهم تتفطر فرحًا وشوقًا وهم يرونها أمامهم، ويدرون أنهم إليها سائرون، وكلما اقتربوا منها يبتهجون حتى يدخلوا بعد ذلك هذه الدار المباركة الطيبة أرضُها، والعَذْب شرابها.
ويجدون طيب ريحها من مسيرة سنين عديدة ومسافات شائعة، رائحة عبقة وزكية تملأ جنباتها، ففي مسند أحمد «وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين عامًا» وعند البخاري: «وإنَّ ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا» ، وورد أيضًا خمسمائة عام «تراح رائحة الجنة من مسيرة خمسمائة عام، ولا يجدها منَّان بعمله، ولا عاق، ولا مدمِن خمر» [رواه الطبراني] .