فهرس الكتاب
ومع أن الماء كدردري الزيت خبيث منتن الرائحة قد بلغ غايته في الغليان إلا أن المعذب يشرب منه شربًا ذريعًا شرب الناقة الهيماء التي يصيبها داء في جوفها، فتشعر بلهيب في بطنها فتعب من الماء ولا ترتوي ... كما قال الشاعر يصف حاله في الحب: فأصبحت كالهيماء لا الماء مبرد ظماها ولا يقضي عليها هيامها
قال تعالى عن أصحاب النار عياذًا بالله: {ثم إنكم أيها الضالون المكذبون* لآكلون من شجر من زقوم* فمالئون منها البطون* فشاربون عليه من الحميم* فشاربون شرب الهيم} (الواقعة:51 - 55)
والهيم: جمع هيماء وهي الناقة المريضة بداء الجوف التي تشرب ولا تروى.
وإذا شرب هؤلاء المعذبون من الماء الذي لا ينفعهم بل يضرهم حتى تقطع أمعاءهم، فروا منه إلى النار فكان بئس الفرار، ثم تلجئهم ضرورة العطش مرة ثانية إلى ذلك الماء الخبيث، وهكذا فرارًا من شر إلى ما هو شر منه، ثم عود إلى الأول.
قال تعالى: {هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون* يطوفون بينها وبين حميم آن} (الرحمن:43 - 44) والمعنى: يفرون منها إلى الحميم ويفرون من الحميم إليها، ومعنى آن: أي بلغ حينه أي غاية حدة في الحرارة والغليان.
30 -ألوان أخرى من الأشربة الخبيثة:
وليس هذا وحده ما يعذب به أهل النار من الطعام والشراب، بل إن لهم من ألوان الأشربة الخبيثة النتنة المهلكة أشكالًا وألوانًا. قال تعالى: {هذا وإن للطاغين لشر مآب جهنم يصلونها فبئس المهاد هذا فليذوقوه حميم وغساق، وآخر من شكله أزواج} (ص:55 - 58)
فالحميم هو الماء الحار والغساق شراب خبيث لو ألقيت قطرة واحدة منه على بحار الأرض لأفسدت على أهل الأرض كلهم معايشهم.
قال صلى الله عليه وسلم: [ {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} لو أن قطرة من الزقوم قطرت لأفسدت على أهل الأرض عيشهم فكيف من ليس لهم طعام إلا الزقوم] (رواه أحمد)
والأزواج الأخرى أشكال من جنس هذا عياذًا بالله من سخطه وعقابه .. وكل ذلك حق اليقين ..
31 -العذاب النفسي أشد من العذاب الجسماني:
وليس عذاب أهل النار عذابًا جسمانيًا فقط، يعذبون فيه بالنار التي تنضج جلودهم، ثم ينبت في الحال غيرها، وتحرق صدورهم حتى يبلغ قلوبهم. قال تعالى: {نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة} (الهمزة:6 -