فهرس الكتاب
ويروون كلامًا عن أبي سعيد الخراز أنه قال: للعارفين خزائن أودعوها علومًا غريبة يتكلمون فيها بلسان الأبدية، يخبرون عنها بلسان الأزلية، ويقولون: إن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: (إن من العلم كهيئة المخزون لا يعلمه إلا العلماء باللّه، فإذا نطقوا به لم ينكره إلا أهل الغِرَّة باللّه) [وقوله: أهل الغِرَّة ـ أى أهل الغفلة] . فهل ما ادعوه صحيحًا أم لا؟
فسيدي يبين لنا مقالاتهم؛ فإن المملوك وقف على كلام لبعض العلماء ذكر فيه أن الواحدي قال: ألف أبو عبد الرحمن السلمي كتابًا سماه [حقائق التفسير] إن صح عنه فقد كفر، ووقفت على هذا الكتاب فوجدت كلام هذه الطائفة منه أو ما شابهه، فما رأى سيدي في ذلك؟ وهل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [للقرآن باطن] الحديث يفسرونه على ما يرونه من أذواقهم ومواجيدهم المردودة شرعًا؟ أفتونا مأجورين.
فأجابَ الشيخ ـ رضي اللّه عنه:
الحمد للّه رب العالمين. أما الحديث المذكور، فمن الأحاديث المختلقة التي لم يروها أحد من أهل العلم، ولا يوجد في شىء من كتب الحديث؛ ولكن يروى عن الحسن البصري موقوفًا أو مرسلًا: (أن لكل آية ظهرًا وبطنًا وحدّا ومَطْلَعًا) وقد شاع في كلام كثير من الناس: [علم الظاهر، وعلم الباطن] ، و [أهل الظاهر، وأهل الباطن] . ودخل في هذه العبارات حق وباطل.
وقد بسط هذا في غير هذا الموضع؛ لكن نذكر هنا جملا من ذلك فنقول:
قول الرجل: [الباطن] ، إما أن يريد علم الأمور الباطنة، مثل: العلم بما في القلوب من المعارف والأحوال، والعلم بالغيوب التي أخبرت بها الرسل، وإما أن يريد به العلم الباطن، أي الذي يبطن عن فهم أكثر الناس، أو عن فهم من وقف مع الظاهر ونحو ذلك.
فأما الأول، فلا ريب أن العلم منه ما يتعلق بالظاهر، كأعمال الجوارح. ومنه ما يتعلق بالباطن، كأعمال القلوب. ومنه ما هو علم بالشهادة، وهو ما يشهده الناس بحواسهم. ومنه ما يتعلق بالغيب، وهو ما غاب عن إحساسهم.
وأصل الإيمان هو الإيمان بالغيب، كما قال تعالى: {الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 1ـ 3] والغيب الذي يؤمن به ما أخبرت به الرسل من الأمور العامة، ويدخل في ذلك الإيمان باللّه وأسمائه وصفاته، وملائكته والجنة، والنار. فالإيمان باللّه وبرسله وباليوم الآخر يتضمن الإيمان بالغيب؛ فإن وصف الرسالة هو من الغيب، وتفصيل ذلك هو الإيمان باللّه، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، كما ذكر اللّه تعالى ذلك في قوله: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} [البقرة: 177] ، وقال: {وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا} [النساء: 136] .
والعلم بأحوال القلوب ـ كالعلم بالاعتقادات الصحيحة والفاسدة، والإرادات الصحيحة والفاسدة، والعلم بمعرفة اللّه ومحبته، والإخلاص له وخشيته، والتوكل عليه، والرجاء له، والحب فيه، والبغض فيه، والرضا بحكمه، والإنابة إليه، والعلم بما يُحْمَد ويُذَم من أخلاق النفوس، كالسخاء والحياء، والتواضع والكبر، والعجب والفخر، والخيلاء، وأمثال ذلك من العلوم المتعلقة بأمور باطنة في القلوب ونحوه ـ قد يقال له: [علم الباطن] أي علم بالأمر الباطن، فالمعلوم هو الباطن. وأما العلم الظاهر فهو ظاهر يتكلم به ويكتب، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة، وكلام السلف وأتباعهم، بل غالب آي القرآن هو من هذا العلم؛ فإن اللّه أنزل القرآن {وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57] . بل هذا العلم هو العلم بأصول الدين، فإن اعتقاد القلب أصل لقول اللسان، وعمل القلب أصل لعمل الجوارح، والقلب هو مَلِكَ الْبَدَن، كما قال أبوهريرة ـ