الصفحة 100 من 349

أخبر به وما أمر به، وأما ما ابتدعوه فكله ضلالة كما قال صلى الله عليه وسلم: (وإيّاكُم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة) ، وقد تكون تلك البدعة أعظم عندهم مما أخذوا به من الشرعة يجعلون تلك هي [الأصول العقلية] كالقدرية المجبرة والنفاة، فكلاهما يجعل ما أحدثوه من الكلام في الأصول - وهو الذي يسمونه العقليات - أعظم عندهم مما تلقوه من الشرع، فالمعتزلة يجعلون العقليات هي الخبريات والأمريات جميعًا كالواجبات الشرعية، لكن يقولون أيضًا: إن الشرع أوجبها، ولكن لهم فيها تخليط ليس هذا موضعه.

وكذلك ما ابتدعوه في الخبريات كإثبات حدوث العالم بطريقة الأعراض واستلزامها للأجسام، وهم ينفون الصفات والقدر، ويسمون ذلك [التوحيد] و [العدل] .

وجهْم بن صفوان وأتباعه هم أعظم نفيًا منهم؛ فإنهم ينفون الأسماء مع الصفات، وهم رؤوس المجبرة، والأشعرية وافقتهم في الجبر، لكن نازعوهم نزاعًا لفظيًا في إثبات الكسب والقدرة عليه، وهم يرون أن هذه الأصول العقلية ـ وهي العلم بما يجب للرب ويمتنع عليه وما يجوز عليه من الأفعال ـ هي أعظم العلوم وأشرفها، وأنهم برزوا بها على الصحابة، وأن النبي لم يعلمها الصحابة؛ إما لكونه وكلها إلى استنباط الأمة، وإما لكون الصحابة كانوا مشغولين عنها بالجهاد، وإما لكونه قال لهم في ذلك ما لم يبلغوه، ولم يشغلهم بالأدلة لاشتغالهم بالجهاد.

وهذه هي [الأصول العقلية] التي يعتمدون عليها هم ومن يوافقهم كالقاضي أبي يعلي وأبي المعالي وأبي الوليد الباجي، تبعًا للقاضي أبي بكر وأمثاله، وهو وأتباعه يناقضون عبد الجبار وأمثاله، كما ناقض الأشعري وأمثاله أبا علي وأبا القاسم.

وكل الأصول العقلية التي ابتدعها هؤلاء وهؤلاء باطلة في العقل والشرع، وإن كانت كل واحدة من الطائفتين تعتقد أنها من أعظم الدين ويقدمونها على الأصول الشرعية، فإنهم في ذلك بمنزلة ما يعظمه العباد والزهاد والفقراء والصوفية من الخوارق الشيطانية، ويفضلونها على العبادات الشرعية، والعبادات الشرعية هي التي معهم من الإسلام، وتلك كلها باطلة، وإن كانت أعظم عندهم من العبادات، حتى يقولوا: نهاية الصوفي ابتداء الفقيه، ونهاية الفقيه ابتداء المولَه. وكذلك صاحب [منازل السائرين] يذكر في كل باب ثلاث درجات، فالأولى ـ وهي أهونها عندهم ـ توافق الشرع في الظاهر، والثانية قد توافق الشرع وقد لا توافق، والثالثة: في الأغلب تخالف، لا سيما في [التوحيد] و [الفناء] و [الرجاء] ونحو ذلك. وهذا الذي ابتدعوه هو أعظم عندهم مما وافقوا فيه الرسل، وكثير من العباد يفضل نوافله على أداء الفرائض، وهذا كثير واللّه أعلم.

والحمد للّه وحده، وصلى اللّه على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، والحمد للّه رب العالمين.

وسُئِلَ شَيخُ الإِسْلام ـ قَدسَ اللَّه روحه ـ

عن طائفة من المتفقرة يدعون أن للقرآن باطنا، وأن لذلك الباطن باطنًا إلى سبعة أبطن، ويروون في ذلك حديثًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (للقرآن باطن، وللباطن باطن إلى سبعة أبطن) ، ويفسرون القرآن بغير المعروف عن الصحابة والتابعين والأئمة من الفقهاء، ويزعمون أن عليًا قال: لو شئت لأوقرت من تفسير فاتحة الكتاب كذا وكذا حمل جمل، ويقولون: إنما هو من علمنا إذ هو اللّدُنِّي.

ويقولون كلامًا، معناه: أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم خص كل قوم بما يصلح لهم، فإنه أمر قومًا بالإمساك، وقومًا بالإنفاق، وقومًا بالكسب، وقومًا بترك الكسب. ويقولون: إن هذا ذكرته أشياخنا في [العوارف] وغيره من كتب المحققين، وربما ذكروا أن حذيفة كان يعلم أسماء المنافقين، خصه بذلك رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وبحديث أبي هريرة: (حفظت جِرَابين) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت