فهرس الكتاب
والمقصود هنا أن قول [القدرية الجهمية المجبرة] أعظم مناقضة لما جاءت به الرسل من قول النفاة؛ ولهذا لم يكن هؤلاء مظهرين لهذا في زمن السلف، بل كلما ضعف نور النبوة أظهروا حقيقة قولهم، فإنه من جنس قول المشركين المكذبين للرسل، ومنتهاهم الشرك وتكذيب الرسل، وهذا جماع الكفر، كما أن التوحيد وتصديق الرسل جماع الإيمان؛ ولهذا صاروا مع أهل الكفر المحض من المشركين وأهل الكتاب، وبسط هذه الأمور له موضع آخر.
والمقصود هنا أن [القدرية المجبرة] من جنس المشركين، كما أن [النافية] من جنس المجوس، وأن المجبرة ما عندهم سوى القدرة والمشيئة في نفس الأمر، والنافية تنفي القدرة العامة والمشيئة التامة، وتزعم أنها تثبت الحكمة والعدل، وفي الحقيقة كلاهما ناف للحكمة والعدل والمشيئة والقدرة، كما قد بسط في مواضع.
وأولئك يتعلقون بقوله: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} [الأنبياء: 23] و {اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء} [آل عمران: 40] ، وهذا ذكره اللّه إثباتًا لقدرته لا نفيًا لحكمته وعدله، بل بين - سبحانه- أنه يفعل ما يشاء فلا أحد يمكنه أن يعارضه إذا شاء شيئًا بل هو قادر على فعل ما يشاء، بخلاف المخلوق الذي يشاء أشياء كثيرة ولا يمكنه أن يفعلها؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (لا يقولن أحدكم: اللّهم اغفر لي إن شئت، اللّهم ارحمني إن شئت؛ فإن اللّه لا مكره له، ولكن ليَعْزِم المسأله) ، وذلك أنه إنما يقال: افعل كذا إن شئت لمن قد يفعله مكرهًا فيفعل ما لا يريد لدفع ضرر الإكراه عنه واللّه تعالى لا مكره له، فلا يفعل إلا ما يشاء، فقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء} [الحج: 18] و {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء} [المائدة: 18] ونحو ذلك هو لإثبات قدرته على ما يشاء، وهذا رد لقول القدرية النفاة الذين يقولون: إنه لم يشأ كل ما كان، بل لا يشاء إلا الطاعة، ومع هذا فقد شاءها ولم يكن ممن عصاه، وليس هو قادرًا عندهم على أن يجعل العبد لا مطيعًا ولا عاصيًا.
فهذه الآيات التي تحتج بها المجبرة تدل على فساد مذهب النفاة، كما أن الآيات التي يحتج بها النفاة التي تدل على أنه حكم عادل، لا يظلم مثقال ذرة، وأنه لم يخلق الخلق عبثًا ونحو ذلك، تدل على فساد قول المجبرة، وليس في هذه الآيات ولا هذه ما يدل على صحة قول واحدة من الطائفتين، بل ما تحتج به كل طائفة يدل على فساد مذهب الأخرى، وكلا القولين باطل. وهذا هو الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي في المسند وغيره وبعضه في صحيح مسلم عن عبد اللّه بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه خرج على أصحابه وهم يتمارون في القَدَر، هذا يقول: ألم يقل اللّه كذا؟ وهذا يقول: ألم يقل اللّه كذا؟ فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان، فقال: (أبهذا أمرتم؟ أم إلى هذا دعيتم أن تضربوا كتاب اللّه بعضه ببعض؟) ؛ ولهذا قال أحمد في بعض مناظرته- لمن صار يضرب الآيات بعضها ببعض: إنا قد نهينا عن هذا.
فمن دفع نصوصًا يحتج بها غيره لم يؤمن بها، بل آمن بما يحتج، صار ممن يؤمن ببعض الكتاب ويَكْفُر ببعض.
وهذا حال أهل الأهواء، هم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب، وقد تركوا كلهم بعض النصوص وهو ما يجمع تلك الأقوال، فصاروا كما قال عن أهل الكتاب: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [المائدة: 14] .
فإذا ترك الناس بعض ما أنزل اللّه وقعت بينهم العداوة والبغضاء، إذ لم يبق هنا حق جامع يشتركون فيه، بل {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53] ، وهؤلاء كلهم ليس معهم من الحق إلا ما وافقوا فيه الرسول، وهو ما تمسكوا به من شرعه مما