الصفحة 98 من 349

وحدثني الثقة عنه أنه كان يقول: الأنبياء ضيعوا الطريق، ولعمري لقد ضيعوا طريق الشياطين؛ شياطين الإنس والجن. وهؤلاء المشايخ، الذين يحبون المسلمين ولكن يوالون الشيوخ الذين يوالون المشركين الذين هم خفراء الكفار، ويظنون أنهم من أولياء اللّه، اشتركوا هم وهم في أصل ضلالة، وهو: أنهم جعلوا الخوارق الشيطانية من جنس الكرامات الرحمانية، ولم يفرقوا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان كما قال تعالى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف: 36] فهؤلاء وهؤلاء عشوا عن ذكر الرحمن الذي أنزله، وهو الكتاب والسنة، وعن الروح الذي أوحاه اللّه إلى نبيه الذي جعله اللّه نورًا يهدي به من يشاء من عباده، وبه يحصل الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ولم يفرقوا بين آيات الأنبياء ومعجزاتهم وبين خوارق السحرة والكهان؛ إذ هذا [مذهب الجهمية المجبرة] .

وهؤلاء كلهم يشتركون في هذا المذهب فلا يجعلون اللّه يحب ما أمر به ويبغض ما نهى عنه، بل يجعلون كل ما قدره وقضاه فإنه يحبه ويرضاه، فبقى جميع الأمور عندهم سواه، وإنما يتميز بنوع من الخوارق؛ فمن كان له خارق جعلوه من أولياء اللّه، وخضعوا له إما اتباعًا له وإما موافقة له ومحبة، وإما أن يسلموا له حاله فلا يحبوه ولا يبغضوه؛ إذ كانت قلوبهم لم يبق فيها من الإيمان ما يعرفون به المعروف، وينكرون به المنكر في هذا الموضع.

وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) وفي رواية لمسلم: (من جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبَّة خَرْدَل) ، وميت الأحياء الذين لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا. وفي حديث حذيفة الذي في صحيح مسلم: (إن الفِتْنَةَ تُعْرض على القلوب كالحَصِير عودًا عودًا، فأيما قلب أنكرها نُكِتَتْ فيه نُكتَة بيضاء، وأيما قلب أُشْرِبَها نكتت فيه نكتة سوداء، حتى تبقى القلوب على قَلْبَيْنِ: قلب أبيض مثل الصَّفَا لا يضره فتنة ما دامت السماء والأرض، وقلب أسود مُرْبادا [في المطبوعة: مرباد ـ وهو خطأ، ومعناها: أن قلبه يتغير، فيكون لونه بين السّواد والغبرة] لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه) .

فهؤلاء العباد الزهاد الذين عبدوا اللّه بآرائهم وذوقهم ووجدهم لا بالأمر والنهي منتهاهم اتباع أهوائهم {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ} [القصص: 50] ، لاسيما إذا كانت حقيقتهم هي قول: (الجهمية المجبرة) ، فرأوا أن جميع الكائنات اشتركت في المشيئة ولم يميزوا بعضها عن بعض بأن اللّّه يحب هذا ويرضاه وهذا يبغضه ويسخطه؛ فإن اللّه يحب المعروف ويبغض المنكر، فإذا لم يفرقوا بين هذا وهذا نكت في قلوبهم نكت سود فسوَّد قلوبهم، فيكون المعروف ما يهوونه ويحبونه ويجدونه ويذوقونه، ويكون المنكر ما يهوون بغضه وتنفر عنه قلوبهم، كالمشركين الذين كانوا {عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ} [المدثر: 49 ـ 51] ولهذا يوجد في هؤلاء وأتباعهم من ينفرون عن القرآن والشرع كما تنفر الحمر المستنفرة التي تفر من الرماة ومن الأسد، ولهذا يوصفون بأنهم إذا قيل لهم: قال المصطفى، نفروا.

وكان الشيخ إبراهيم بن معضاد يقول ـ لمن رآه من هؤلاء كاليونسية والأحمدية: يا خنازير يا أبناء الخنازير ما أرى للّه ورسوله عندكم رائحة {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفًا مُّنَشَّرَةً} [المدثر: 52] كل منهم يريد أن يحدثه قلبه عن ربه فيأخذ عن اللّه بلا واسطة الرسول {وَإِذَا جَاءتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللّهِ اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124] وبسط هذا له موضع آخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت