الصفحة 114 من 349

، وقد قال تعالى: {أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ} [المجادلة: 22] ، وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح: 4] ، وقال تعالى: {فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء} [الأنعام: 125] ، وقال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 23] ، وقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2] ، وقال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28] ، وأمثال هذا كثير في القرآن.

وقال في حق الكفار: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} [المائدة: 41] ، وقال: {خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} [البقرة: 7] ،وأمثال ذلك.

فنسأل اللّه العظيم أن يصلح بواطننا وظواهرنا، ويوفقنا لما يحبه ويرضاه من جميع أمورنا بِمنًّه وكرمه، والحمد للّه رب العالمين، وصلى اللّه على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

فَصل

فضائل المسجد الأقصى

والمسجد الأقصي صلت فيه الأنبياء من عهد الخليل، كما في الصحيحين عن أبي ذر قال: قلت يا رسول اللّه، أي مسجد وضع أولا؟ قال: (المسجد الحرام) . قلت: ثم أي؟ قال: (المسجد الأقصي) . قلت: كم بينهما؟ قال: (أربعون سنة، ثم حيثما أدركتك الصلاة فَصَلِّ، فإنه مسجد) ، وصلى فيه من أولياء اللّه ما لا يحصيه إلا اللّه، وسليمان بناه هذا البناء، وسأل ربه ثلاثا: سأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وسأله حكما يوافق حكمه، وسأله أنه لا يؤم هذا المسجد أحد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا غفر له.

ولهذا كان ابن عمر يأتي من الحجاز، فيدخل، فيصلى فيه، ثم يخرج ولا يشرب فيه ماء، لتصيبه دعوة سليمان. وكان الصحابة ثم التابعون يأتون، ولا يقصدون شيئًا مما حوله من البقاع، ولا يسافرون إلي قرية الخليل، ولا غيرها.

وكذلك مسجد نبينا، بناه أفضل الأنبياء، ومعه المهاجرون /والأنصار، وهو أول مسجد أذن فيه في الإسلام، وفيه كان الرسول يصلى بالمسلمين الجمعة والجماعة، ويعلمهم الكتاب والحكمة، وفيه كان يأمرهم بما يأمرهم به من المغازي، وغير المغازي. وفيه سنت السنة، والإسلام منه خرج، وكانت الصلاة فيه بألف، والسفر إليه مشروعا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وليس عنده قبر، لا قبره ولا قبر غيره، ثم لما دفن الرسول دفن في حجرته وبيته، لم يدفن في المسجد.

والفرق بين البيت والمسجد مما يعرفه كل مسلم؛ فإن المسجد يعتكف فيه والبيت لا يعتكف فيه، وكان إذا اعتكف يخرج من بيته إلي المسجد، ولا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان، والمسجد لا يمكث فيه جنب ولا حائض، وبيته كانت عائشة تمكث فيه وهي حائض، وكذلك كل بيت مرسوم تمكث فيه المرأة وهي حائض، وكانت تصيبه فيه الجنابة فيمكث فيه جنبًا حتى يغتسل، وفيه ثيابه، وطعامه، وسكنه، وراحته، كما جعل اللّه البيوت.

وقد ذكر اللّه [بيوت النبي] في كتابه، وأضافها تارة إلي الرسول، وتارة إلي أزواجه، وليس لتلك البيوت حرمة المسجد وفضيلته، وفضيلة الصلاة فيه، ولا تشد الرحال إليها، ولا الصلاة في شيء منها بألف صلاة. ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم في حال /حياته كان هو وأصحابه أفضل ممن جاء بعدهم، وعبادتهم أفضل من عبادة من جاء بعدهم، وهم لما ماتوا لم تكن قبورهم أفضل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت