الصفحة 115 من 349

من بيوتهم التي كانوا يسكنونها في حال الحياة، ولا أبدانهم بعد الموت أكثر عبادة للّه وطاعة مما كانت في حال الحياة.

واللّه تعالى قد أخبر أنه جعل الأرض كفاتا، أحياء وأمواتا. تكفت الناس أحياء على ظهرها، وأمواتا في بطنها، وليس كفتهم أمواتا بأفضل من كفتهم أحياء؛ ولهذا تستحب زيارة أهل البقيع وأحد وغيرهم من المؤمنين. فيدعي لهم، ويستغفر لهم، ولا يستحب أن تقصد قبورهم لما تقصد له المساجد من الصلاة، والاعتكاف، ونحو ذلك، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أحب البقاع إلي اللّه المساجد) ، فليس في البقاع أفضل منها، وليست مساكن الأنبياء لا أحياء ولا أمواتا بأفضل من المساجد. هذا هو الثابت بنص الرسول، واتفاق علماء أمته.

وما ذكره بعضهم من أن قبور الأنبياء والصالحين أفضل من المساجد، وأن الدعاء عندها أفضل من الدعاء في المساجد، حتى في المسجد الحرام والمسجد النبوي، فقول يعلم بطلانه بالاضطرار من دين الرسول، ويعلم إجماع علماء الأمة على بطلانه إجماعا ضروريا، كإجماعهم على أن الاعتكاف في المساجد أفضل منه عند القبور. والمقصود / بالاعتكاف: العبادة والصلاة، والقراءة، والذكر، والدعاء.

وما ذكره بعضهم من الإجماع على تفضيل قبر من القبور على المساجد كلها، فقول محدث في الإسلام، لم يعرف عن أحد من السلف، ولكن ذكره بعض المتأخرين، فأخذه عنه آخر وظنه إجماعا؛ لكون أجساد الأنبياء أنفسها أفضل من المساجد. فقولهم يعم المؤمنين كلهم، فأبدانهم أفضل من كل تراب في الأرض، ولا يلزم من كون أبدانهم أفضل أن تكون مساكنهم أحياء وأمواتا أفضل، بل قد علم بالاضطرار من دينهم أن مساجدهم أفضل من مساكنهم.

وقد يحتج بعضهم بما روي من: (أن كل مولود يذر عليه من تراب حفرته) ، فيكون قد خلق من تراب قبره. وهذا الاحتجاج باطل لوجهين:

أحدهما: أن هذا لا يثبت، وما روي فيه كله ضعيف، والجنين في بطن أمه يعلم قطعا أنه لم يذر عليه تراب، ولكن آدم نفسه هو الذي خلق من تراب، ثم خلقت ذريته من سلالة من ماء مهين. ومعلوم أن ذلك التراب لا يتميز بعضه لشخص وبعضه لشخص آخر، فإنه إذا استحال وصار بدنا حيا لما نفخ في آدم الروح فلم يبق ترابا. وبسط هذا له موضع آخر.

/والمقصود هنا التنبيه على مثل هذه الإجماعات التي يذكرها بعض الناس، ويبنون عليها ما يخالف دين المسلمين؛ الكتاب والسنة والإجماع.

الوجه الثاني: أنه لو ثبت أن الميت خلق من ذلك التراب، فمعلوم أن خلق الإنسان من مني أبويه أقرب من خلقه من التراب، ومع هذا فاللّه يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي؛ يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، فيخلق من الشخص الكافر مؤمنا نبيا وغير نبي، كما خلق الخليل من آزر، وإبراهيم خير البرية هو أفضل الأنبياء بعد محمد صلى الله عليه وسلم، وآزر من أهل النار، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يلقي إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، فيقول إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول له: فإليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يا رب، ألم تعدني ألا تخزيني، وأي خزي أخزي من أبي الأبعد؟! فيقال له: التفت، فيلتفت، فإذا هو بذيخ عظيم، والذيخ ذكر الضباع، فيمسخ آزر في تلك الصورة، ويؤخذ بقوائمه فيلقي في النار، فلا يعرف أنه أبو إبراهيم) . وكما خلق نبينا صلى الله عليه وسلم من أبويه، وقد نهي عن الاستغفار لأمه، وفي الصحيح: أن رجلا قال له: أين أبي؟ قال: (إن أباك في النار) ، فلما أدبر دعاه فقال: (إن أبي وأباك في النار) . وقد أخرج من نوح وهو /رسول كريم ابنه الكافر الذي حق عليه القول، وأغرقه، ونهي نوحا عن الشفاعة فيه. والمهاجرون والأنصار مخلوقون من آبائهم وأمهاتهم الكفار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت