فهرس الكتاب
فإذا كانت المادة القريبة التي يخلق منها الأنبياء والصالحون لا يجب أن تكون مساوية لأبدانهم في الفضيلة؛ لأن اللّه يخرج الحي من الميت فأخرج البدن المؤمن من مني كافر، فالمادة البعيدة وهي التراب أولي ألا تساوي أبدان الأنبياء والصالحين، وهذه الأبدان عبدت اللّه وجاهدت فيه، ومستقرها الجنة. وأما المواد التي خلقت منها هذه الأبدان فما استحال منها وصار هو البدن فحكمه حكم البدن، وأما ما فضل منها فذاك بمنزلة أمثاله.
ومن هنا غلط من لم يميز بين ما استحال من المواد فصار بدنا، وبين ما لم يستحل، بل بقي ترابا أو ميتا. فتراب القبور إذا قدر أن الميت خلق من ذلك التراب فاستحال منه وصار بدن الميت، فهو بدنه، وفضله معلوم. وأما ما بقي في القبر فحكمه حكم أمثاله، بل تراب كان يلاقي جباههم عند السجود ـ وهو أقرب ما يكون العبد من ربه المعبود ـ أفضل من تراب القبور واللحود. وبسط هذا له موضع آخر.
والمقصود هنا أن مسجد الرسول وغيره من المساجد فضيلتها بكونها بيوت اللّه التي بنيت لعبادته، قال تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18] ، وقال تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 29] ، وقال تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ على أَنفُسِهِمْ} إلي قوله: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَإليوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَي الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَي أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 17، 18] ، وقال تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ} [النور: 36: 38] .
والمساجد الثلاثة لها فضل على ما سواها، فإنها بناها أنبياء، ودعوا الناس إلي السفر إليها. فالخليل دعا إلي المسجد الحرام، وسليمان دعا إلي بيت المقدس، ونبينا دعا إلي الثلاثة، إلي مسجده، والمسجدين، ولكن جعل السفر إلي المسجد الحرام فرضا، والآخرين تطوعا. وإبراهيم وسليمان لم يوجبا شيئا، ولا أوجب الخليل الحج؛ ولهذا لم يكن بنو إسرائيل يحجون، ولكن حج موسي ويونس وغيرهما؛ ولهذا لم يكن / الحج واجبا في أول الإسلام؛ وإنما وجب في سورة آل عمران بقوله تعالى: {وَلِلّهِ على النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97] . هذا هو الذي اتفق عليه المسلمون، أنه يفيد إيجابه. وأما قوله: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ} [البقرة: 196] فقيل: إنه يفيد إيجابهما ابتداء، وإتمامهما بعد الشروع. وقيل: إنما يفيد وجوب إتمامهما بعد الشروع، لا إيجابهما ابتداء. وهذا هو الصحيح، فإن هذه الآية نزلت عام الحديبية بإجماع الناس بعد شروع النبي صلى الله عليه وسلم في العمرة ـ عمرة الحديبيةـ لما صده المشركون، وأبيح فيها التحلل للمحصر، فحل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لما صدهم المشركون، ورجعوا، والحج والعمرة يجب على الشارع فيهما إتمامهما باتفاق الأئمة. وتنازعوا في الصيام والصلاة والاعتكاف، على قولين مشهورين. ومذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه: أنه لا يجب الإتمام، ومذهب مالك وأبي حنيفة: أنه يجب، كما هو مبسوط في غير هذا الموضع.
والمقصود أن مسجد الرسول فضيلة السفر إليه لأجل العبادة فيه، والصلاة فيه بألف صلاة؛ وليس شيء من ذلك لأجل القبر بإجماع المسلمين. وهذا من الفروق بين مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وغيره، وبين قبره وغيره، فقد ظهر الفرق من وجوه.
/وهذا المعترض وأمثاله جعلوا السفر إلي قبور الأنبياء نوعًا. ثم لما رأوا ما ذكره العلماء من استحباب زيارة قبر نبينا ظنوا أن سائر القبور يسافر إليها كما يسافر إليه. فضلوا من وجوه: