الصفحة 117 من 349

أحدها: أن السفر إليه إنما هو سفر إلي مسجده، وهو مستحب بالنص والإجماع.

الثاني: أن هذا السفر هو للمسجد في حياة الرسول وبعد دفنه، وقبل دخول الحجرة، وبعد دخول الحجرة فيه. فهو سفر إلي المساجد، سواء كان القبر هناك أو لم يكن. فلا يجوز أن يشبه به السفر إلي قبر مجرد.

الثالث: أن من العلماء من يكره أن يسمي هذا زيارة لقبره. والذين لم يكرهوه يسلمون لأولئك الحكم، وإنما النزاع في الاسم. وأما غيره، فهو زيارة لقبره بلا نزاع. فللمانع أن يقول: لا أسلم أنه يمكن أن يسافر إلي زيارة قبره أصلًا، وكل ما سمي زيارة قبر فإنه لا يسافر إليه، والسفر إلي مسجد نبينا ليس سفرًا إلي زيارة قبره، بل هو سفر لعبادة في مسجده.

الرابع: أن هذا السفر مستحب بالنص والإجماع والسفر إلي قبور سائر الأنبياء والصالحين ليس مستحبًا لا بنص ولا إجماع بل /هو منهي عنه عند الأئمة الكبار، كما دل عليه النص.

الخامس: أن المسجد الذي عند قبره مسجده الذي أسس على التقوي، وهو أفضل المساجد غير المسجد الحرام، والصلاة فيه بألف صلاة، والمساجد التي على قبور الأنبياء والصالحين نهي عن اتخاذها مساجد والصلاة فيها، كما تقدم. فكيف عن السفر إليها.

السادس: أن السفر إلي مسجده ـ الذي يسمي السفر لزيارة قبره ـ هو ما أجمع عليه المسلمون جيلًا بعد جيل، وأما السفر إلي سائر القبور فلا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، بل ولا عن أتباع التابعين، ولا استحبه أحد من الأئمة الأربعة، ولا غيرهم. فكيف يقاس هذا بهذا؟! ومازال المسلمون من عهده وإلي هذا الوقت يسافرون إلي مسجده؛ إما مع الحج، وإما بدون الحج. فعلى عهد الصحابة لم يكونوا يأتونه مع الحج ـ كما يسافرون إلي مكة ـ فإن الطرقات كانت آمنة، وكان إنشاء السفر إليه أفضل من أن يجعل تبعًا لسفر الحج. وعمر بن الخطاب قد أمرهم أن يفرد للعمرة سفرًا وللحج سفرًا، وهذا أفضل باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم ـ من التمتع والقِران؛ فإن الذين فضلوا التمتع والقران كما فضل أحمد التمتع لمن لم يسق الهدي والقران لمن ساق الهدي ـ في المنصوص عنه ـ وصرح في غير موضع بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنًا ـ / هو مع ذلك يقول: إن إفراد العمرة بسفر والحج بسفر أفضل من التمتع والقران، وكذلك مذهب أبي حنيفة ـ فيما ذكره محمد ابن الحسن ـ أن عمرة كوفية أفضل من التمتع والقران. وبسط هذا له موضع آخر.

والمقصود أن المسلمين ما زالوا يسافرون إلي مسجده ولا يسافرون إلي قبور الأنبياء؛ كقبر موسي، وقبر الخليل ـ عليه السلام ـ ولم يعرف عن أحد من الصحابة أنه سافر إلي قبر الخليل مع كثرة مجيئهم إلي الشام والبيت المقدس. فكيف يجعل السفر إلي مسجد الرسول الذي يسميه بعض الناس زيارة لقبره مثل السفر إلي قبور الأنبياء؟!

السابع: أن السفر المشروع إلي مسجده يتضمن أن يفعل في مسجده ما كان يفعل في حياته وحياة خلفائه الراشدين؛ من الصلاة والسلام عليه والثناء والدعاء، كما يفعل ذلك في سائر المساجد، وسائر البقاع؛ وإن كان مسجده أفضل، فالمشروع فيه عبادة لله مأمور بها، وأما الذي يفعله من سافر إلي قبر غيره فإنما هو من نوع الشرك، كدعائهم وطلب الحوائج منهم، واتخاذ قبورهم مساجد، وأعيادًا، وأوثانًا. وهذا محرم بالنص والإجماع.

فإن قلت: فقد يفعل بعض الناس عند قبره مثل هذا.

/قلت لك: أما عند القبر فلا يقدر أحد على ذلك؛ فإن الله أجاب دعوته حيث قال: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد) . وأما في مسجده فإنما يفعل ذلك بعض الناس الجهال، وأما من يعلم شرع الإسلام فإنما يفعل ما شرع، وهؤلاء ينهون أولئك بحسب الإمكان فلا يجتمع الزوار على الضلال،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت