فهرس الكتاب
وأما قبر غيره فالمسافرون إليه كلهم جهال ضالون مشركون، ويصيرون عند نفس القبر، ولا أحد هناك ينكر عليهم.
الوجه الثامن: أن يقال: قبره معلوم متواتر، بخلاف قبر غيره.
ومما ينبغي أن يعلم أن الله تعالى حفظ عامة قبور الأنبياء ببركة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فلم يتمكن الناس مع ظهور دينه أن يتخذوا قبور الأنبياء مساجد، كما أظهر من الإيمان بنبوة الأنبياء وما جاؤوا به؛ من إعلان ذكرهم ومحبتهم، وموالاتهم، والتصديق لأقوالهم، والاتباع لأعمالهم، ما لم يكن هذا لأمة أخري. وهذا هو الذي ينتفع به من جهة الأنبياء، وهو تصديقهم فيما أخبروا، وطاعتهم فيما أمروا، والاقتداء بهم فيما فعلوا، وحب ما كانوا يحبونه، وبغض ما كانوا يبغضونه، وموالاة من يوالونه، ومعاداة من يعادونه ونحو ذلك مما لا يحصل إلا بمعرفة أخبارهم. والقرآن والسنة مملوء من ذكر الأنبياء. وهذا أمر ثابت في القلوب، مذكور بالألسنة، وأما نفس القبر فليس / في رؤيته شيء من ذلك، بل أهل الضلال يتخذونها أوثانًا، كما كانت اليهود والنصاري يتخذون قبور الأنبياء والصالحين مساجد. فببركة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أظهر الله من ذكرهم ومعرفة أحوالهم ما يجب الإيمان به، وتنتفع به العباد. وأبطل ما يضر الخلق من الشرك بهم واتخاذ قبورهم مساجد، كما كانوا يتخذونها في زمن من قبلنا.
ولم يكن على عهد الصحابة قبر نبي ظاهر يزار، لا بسفر ولا بغير سفر، لا قبر الخليل، ولا غيره. ولما ظهر بتُسْتَر[قبر دانيالي وكانوا يستسقون به، كتب فيه أبو موسي الأشعري إلي عمر بن الخطاب، فكتب إليه يأمره أن يحفر بالنهار ثلاثة عشر قبرًا، ويدفنه بالليل في واحد منها، ويعفي القبور كلها لئلا يفتتن به الناس. وهذا قد ذكره غير واحد.
وممن رواه يونس بن بكر في [زيادات مغازي بن إسحاق] عن أبي خلدة خالد بن دينار. حدثنا أبو العإلية، قال: لما فتحنا [تستر] وجدنا في بيت مال الهرمزان سريرًا عليه رجل ميت، عند رأسه مصحف له، فأخذنا المصحف فحملناه إلي عمر بن الخطاب، فدعا له كعبا فنسخه بالعربية، فأنا أول رجل من العرب قرأه، قرأته مثلما أقرأ القرآن هذا. فقلت: لأبي العإلية: ما كان فيه؟ قال: سيرتكم، وأموركم، ولحون كلامكم، وما هو كائن بعد. /قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرًا متفرقة، فلما كان بالليل دفناه، وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس لا ينبشونه. قلت: وما يرجون فيه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم برزوا بسريره فيمطرون. فقلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له: [دانيال] فقلت: منذ كم وجدتموه مات؟ قال: منذ ثلاثمائة سنة. قلت: ما كان تغير منه شيء؟ قال: لا، إلا شعيرات من قفاه؛ إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض، ولا تأكلها السباع.
ولم تدع الصحابة في الإسلام قبرًا ظاهرًا من قبور الأنبياء يفتتن به الناس، ولا يسافرون إليه ولا يدعونه، ولا يتخذونه مسجدًا، بل قبر نبينا صلى الله عليه وسلم حجبوه في الحجرة، ومنعوا الناس منه بحسب الإمكان، وغيره من القبور عفوه بحسب الإمكان، إن كان الناس يفتتنون به، وإن كانوا لا يفتتنون به فلا يضر معرفة قبره، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ـ لما ذكر أن ملك الموت أتي موسي ـ عليه السلام ـ فقال: أجب ربك، فلطمه موسي ففقأ عينه! فرجع الملك إلي الله، فقال: أرسلتني إلي عبد لك لا يريد الموت، وقد فقأ عيني، قال: فرد الله عليه عينه، وقال: ارجع إلي موسي فقل له: الحياة تريد؟ فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور، فما وارت يدك من شعره فإنك تعيش بكل شعرة سنة. قال: ثم ماذا؟ / قال: الموت. قال: فمن الآن يا رب! ولكن ادنني من الأرض المقدسة رمية بحجر. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فلو كنت ثَمَّ لأريتكم قبره إلي جانب الطريق عند الكثيب الأحمر) . وقد مر به صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء فرآه وهو قائم يصلى في قبره، ومع هذا