فهرس الكتاب
لم يكن أحد من الصحابة والتابعين يسافر إليه، ولا ذهبوا إليه لما دخلوا الشام في زمن أبي بكر وعمر؛ كما لم يكونوا يسافرون إلي قبر الخليل ولا غيره، وهكذا كانوا يفعلون بقبور الأنبياء والصالحين. فقبر [دانيال] ـ كما قيل ـ كانوا يجدون منه رائحة المسك، فعفوه لئلا يفتتن به الناس.
و [قبر الخليل] ـ عليه السلام ـ كان عليه بناء. قيل: إن سليمان ـ عليه السلام ـ بناه فلا يصل أحد إليه، وإنما نقب البناء بعد زمان طويل، بعد انقراض القرون الثلاثة. وقد قيل: إنما نقبه النصاري لما استولوا على ملك البلاد، ومع هذا فلم يتمكن أحد من الوصول إلي قبر الخليل ـ صلوات الله عليه وسلامه ـ فكان السفر إلي زيارة قبور الأنبياء والصالحين ممتنعًا على عهد الصحابة والتابعين، وإنما حدث بعدهم. فالأنبياء كثيرون جدًا، وما يضاف إليهم من القبور قليل جدًا، وليس منها شيء ثابت عرفًا. فالقبور المضامة إليهم منها ما يعلم أنه كذب، مثل [قبر نوح] الذي في أسفل جبل لبنان. ومنها ما لا / يعلم ثبوته بالإجماع ـ إلا قبر نبينا والخليل وموسي ـ فإن هذا من كرامة محمد وأمته؛ فإن الله صان قبور الأنبياء عن أن تكون مساجد صيانة لم يحصل مثلها في الأمم المتقدمة؛ لأن محمدًا وأمته أظهروا التوحيد إظهارًا لم يظهره غيرهم. فقهروا عباد الأوثان، وعباد الصلبان، وعباد النيران.
وكما أخفي الله بهم الشرك فأظهر الله بمحمد وأمته من الإيمان بالأنبياء وتعظيمهم وتعظيم ما جاؤوا به وإعلان ذكرهم بأحسن الوجوه ما لم يظهر مثله في أمة من الأمم، وفي القرآن يأمر بذكرهم كقوله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا} [مريم: 41] ، {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَي إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا} [مريم: 51] الآيات، وقوله: {اصْبِرْ على مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 17] ، وذكر بعده سليمان إلي قوله: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَي رَبَّهُ} [ص: 41] ، إلي قوله: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ} إلي قوله: {وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَإليسَعَ وَذَا الْكِفْلِ} [ص: 45: 48] ، فأمر بذكر هؤلاء. وأما موسي وقبله نوح وهود وصالح فقد تقدم ذكرهم في قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ أُوْلَئِكَ الْأَحْزَابُ إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ} [ص: 12: 14] . وقد أمر بذكر موسي وغيره ـ أيضا ـ في سورة / أخري، كما تقدم.
فالذي أظهره الله بمحمد وأمته من ذكر الأنبياء بأفضل الذكر، وإخبارهم، ومدحهم، والثناء عليهم، ووجوب الإيمان بما جاؤوا به، والحكم بالكفر على من كفر بواحد منهم، وقتله، وقتل من سب أحدا منهم، ونحو ذلك من تعظيم أقدارهم، ما لم يوجد مثله في ملة من الملل.
وأصل الإيمان: توحيد الله بعبادته وحده لا شريك له، والإيمان برسله، كما قال تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الحجر: 92، 93] ، قال أبو العإلية: خلتان تسأل العباد يوم القيامة عنهما: عما كانوا يعملون، وعما أجابوا الرسل. ولهذا يقرر الله هذين الأصلىن في غير موضع من القرآن، بل يقدمهما على كل ما سواهما؛ لأنهما أصل الأصول؛ مثلما ذكر في سورة [البقرة] ، فإنه افتتحها بذكر أصناف الخلق، وهم ثلاثة: مؤمن، وكافر، ومنافق، وهذا التقسيم كان لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلي المدينة؛ فإن مكة لم يكن بها نفاق بل إما مؤمن، وإما كافر. و [البقرة] مدنية من أوائل ما نزل بالمدينة، فأنزل الله أربع آيات في ذكر المؤمنين، وآيتين في ذكر الكافرين، وبضع عشرة آية في صفة المنافقين، وافتتحها بالإيمان بجميع الكتب والأنبياء، ووسطها بذلك، وختمها / بذلك. قال في أولها: الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إليكَ وَمَا أُنزِلَ