فهرس الكتاب
مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة: 1 - 5]
والصحيح في قوله: {والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إليكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} أنه والذي قبله صفة لموصوف واحد؛ فإنه لابد من الإيمان بما أنزل إليه وما أنزل من قبله، والعطف لتغاير الصفات، كقوله: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} [الحديد: 3] ، وقوله: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى} [الأعلى: 2 - 4] ، وقوله: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} إلي قوله: {أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 1 - 11] ، ومن قال: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} أراد به مشركي العرب، وقوله: {والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إليكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} ، أن المراد به أهل الكتاب: فقد غلط؛ فإن مشركي العرب لم يؤمنوا بما أنزل إليه وما أنزل من قبله، فلم يكونوا مفلحين. وأهل الكتاب إن لم يؤمنوا بالغيب ويقيموا الصلاة ومما رزقناهم ينفقون لم يكونوا مفلحين؛ ولهذا قال تعالى: {أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ، فدل على أنهم صنف واحد.
/وقال في وسط السورة: {قُولُوا آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إلينَا وَمَا أُنزِلَ إلي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 136] ، فأمر بالإيمان بكل ما أوتي النبيون من ربهم، وقد قال في أثنائها: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَإليوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} [البقرة: 177] ، وختمها بقوله: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إليهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} [البقرة: 285] .
ثم إنه بعد تقسيم الخلق قرر أصول الدين. فقرر التوحيد أولا، ثم النبوة ثانيا بقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 21، 22] ، ثم قرر النبوة بقوله: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَاتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا} [البقرة: 23، 24] فأخبر أنهم لا يفعلون ذلك، كما قال: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَاتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَاتُونَ بِمِثْلِهِ} [الإسراء: 88] . ثم ذكر الجنة، فقرر التوحيد، والنبوة، والمعاد، وهذه أصول الإيمان.
وفي [آل عمران] قال: {اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ} [آل عمران: 2 - 4] . فذكر التوحيد أولا، ثم الإيمان بما جاءت به الرسل ثانيا، وذكر أنه أنزل الكتاب والفرقان، كما قال: {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ} [البقرة: 53] . ولفظ [الفرقان] يتناول ما يفرق بين الحق والباطل مثل الآيات التي بعث بها الأنبياء، كالحية، وإليد البيضاء، وانفلاق البحر. والقرآن فرقان بين هذا الوجه؛ من جهة أنه آية عظيمة لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعلم عظيم. وهو ـ أيضا ـ فرقان باعتبار أنه فرق ببيانه بين الحق والباطل، كما قال: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} [الفرقان: 1] ،ولهذا فسر جماعة الفرقان هنا به. ولفظ ـ [الفرقان] ـ أيضا ـ يتناول نصر الله لأنبيائه وعباده المؤمنين وإهلاك أعدائهم؛ فإنه فرق به بين أوليائه وأعدائه، وهو ـ أيضا ـ من الأعلام قال تعالى: {إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} [الأنفال: 41] . والآيات التي يجعلها الله دلالة على صدق الأنبياء هي مما ينزله، كما قال: {وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللّهَ قَادِرٌ عَلَى أَن يُنَزِّلٍ آيَةً ْ} [الأنعام: 37] ، وقال: إِن نَّشَا نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن