فهرس الكتاب
الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلي رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [الإسراء: 56، 57] ، وقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 22، 23] .
فبين أن كل ما يدعي من دون الله من الملائكة والأنبياء وغيرهم لا يملكون مثقال ذرة، ولا لأحد منهم شرك معه، ولا له ظهير منهم فلم يبق إلا الشفاعة، {وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 23] ، فالأمر في الشفاعة إليه وحده، كما قال تعالى: {قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} [الزمر: 44] ، وقال: {وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ} [الزخرف: 86] ، وقوله: {إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 86] ، استثناء منقطع في أصح القولين.
فانقسم الناس فيهم ثلاثة أقسام: قوم أنكروا توسطهم بتبليغ الرسالة فكذبوا بالكتب والرسل، مثل قوم نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وقوم فرعون، وغيرهم ممن يخبر الله أنهم كذبوا المرسلين؛ فإنهم كذبوا جنس الرسل، لم يؤمنوا ببعضهم دون بعض. ومن هؤلاء منكرو النبوات من البراهمة، وفلاسفة الهند المشركين، وغيرهم من المشركين، وكلْ منْ كذبْ الرسلْ لا يكونْ إلا مشركًا، وكذلكْ منْ كذبْ ببعضهمْ دونْ بعض، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا} [النساء: 150، 151] .
فكل من كذب محمدا، أو المسيح، أو داود، أو سليمان، أو غيرهم من الأنبياء الذين بعثوا بعد موسي، فهو كافر، قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ} [البقرة: 87] ، وقال تعالى: {وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} [البقرة: 87] ، وقال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاء اللّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [البقرة: 91] .
والفلاسفة والملاحدة وغيرهم منهم من يجعل النبوات من جنس المنامات، ويجعل مقصودها التخييل فقط، قال تعالى: {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ} [الأنبياء: 5] ، فهؤلاء مكذبون بالنبوات. ومنهم من يجعلهم مخصوصين بعلم ينالونه بقوة قدسية بلا تعلم، ولا يثبت ملائكة تنزل بالوحي. ولا كلاما لله يتكلم به، بل يقولون: إنه لا يعلم الجزئيات، فلا يعلم لا موسي، ولا محمدا، ولا غيرهما من الرسل ويقولون: خاصية النبي ـ هذه القوة العلمية القدسية ـ قوة يؤثر بها في العالم، وعنها تكون الخوارق، وقوة تخيلية، وهو أن تمثل له الحقائق في صور خيالية في نفسه، فيري في نفسه أشكالا نورانية، ويسمع في نفسه كلاما، فهذا هو النبي عندهم، وهذه الثلاث توجد لكثير من آحاد العامة الذين غيرهم من النبيين أفضل منهم. وهؤلاء وإن كانوا أقرب من الذين قبلهم فهم من المكذبين للرسل.
وكثير من أهل البدع يقر بما جاؤوا به إلا في أشياء تخالف رأيه، فيقدم رأيه على ما جاؤوا به، ويعرض عما جاؤوا به، فيقول: إنه لا يدري ما أرادوا به، أو يحرف الكلم عن مواضعه. وهؤلاء موجودون في أهل الكتاب، وفي أهل القبلة؛ ولهذا ذكر الله في أول البقرة: المؤمنين، والكافرين، ثم ذكر المنافقين. وبسط القول فيهم.
وقسم ثان غَلَوْا في الأنبياء والصالحين وفي الملائكة أيضًا؛ فجعلوهم وسائط في العبادة، فعبدوهم ليقربوهم إلى الله زلفى، وصوروا تماثيلهم، وعكفوا على قبورهم. وهذا كثير في