الصفحة 123 من 349

النصاري ومن ضاهاهم من ضلال أهل القبلة؛ ولهذا ذكر الله هذا الصنف في القرآن في [آل عمران] وفي [براءة] في ضمن الكلام على النصاري، وقال تعإلى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ وَلاَ يَامُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَامُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 79، 80] ، وقال تعإلى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] ، وقال تعإلى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] ، وهذا الذي أمره الله أن يقوله لهم هو الذي كتب إلى هرقل ملك الروم.

وهؤلاء قد يظنون أنهم إذا استشفعوا بهم شفعوا لهم، وأن من قصد معظمًا من الملائكة والأنبياء فاستشفع به شفع له عند الله، كما يشفع خواص الملوك عندهم. وقد أبطل الله هذه الشفاعة في غير /موضع من القرآن، وبين الفرق بينه وبين خلقه، فإن المخلوق يشفع عند المخلوق بغير إذنه، ويقبل الشفاعة لرغبة أو رهبة أو محبة أو نحو ذلك، فيكون الشفيع شريكًا للمشفوع إليه. وهذه الشفاعة منتفية في حق الله، قال تعإلى: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] ،وقال تعإلى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَي} [الأنبياء: 28] .

وهؤلاء يحجون إلى قبورهم، ويدعونهم، وقد يسجدون لهم، وينذرون لهم، وغير ذلك من أنواع العبادات. وهؤلاء أيضًا مشركون. وأكثر المشركين يجمعون بين التكذيب ببعض ما جاؤوا به وبين الشرك، فيكون فيهم نوع من الشرك بالخالق، وتكذيب رسله، ومنهم من يجمع بين الشرك والتعطيل. فيعطل الخالق أو بعض ما يستحقه من أسمائه وصفاته.

فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم بإحسان إلى يوم القيامة، ليسوا من هؤلاء ولا من هؤلاء، بل يثبتون أنهم وسائط في التبليغ عن الله، ويؤمنون بهم، ويحبونهم، ولايحجون إلى قبورهم، ولا يتخذون قبورهم مساجد. وذلك تحقيق (شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله) . فإظهار ذكرهم وما جاؤوا به هو من الإيمان بهم، وإخفاء قبورهم لئلا يفتن بها الناس هو من تمام التوحيد وعبادة الله وحده. والصحابة وأمة محمد قاموا بهذا.

/ولهذا تجد عند علماء المسلمين من أخبار أهل العلم والدين، من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، من مشائخ العلم والدين، والعدل من ولاة الأمور ما يوجب معرفة ذلك الشخص، والثناء عليه، والدعاء له، وأن يكون له لسان صدق، وما ينتفع به؛ إما كلام له ينتفع به، وإما عمل صالح يقتدي به فيه، فإن العلماء ورثة الأنبياء، والأنبياء ـ صلوات الله عليهم ـ يقصد الانتفاع بما قالواه وأخبروا به وأمروا به والاقتداء بهم فيما فعلوه ـ صلوات الله عليهم أجمعين.

وأما أهل الضلال ـ كالنصاري وأهل البدع ـ فهم مع غلوهم وتعظيمهم لقبورهم وتماثيلهم والاستشفاع بهم لا تجد عندهم من أخبارهم ما يعرف صدقه من كذبه، بل قد التبس هذا بهذا، ولا يكاد أحد من علمائهم يميز فيما هم عليه من الدين بين ما جاء عن المسيح وما جاء عن غيره، إما من الأنبياء، وإما من شيوخهم، بل قد لبسوا الحق بالباطل.

وكذلك أهل الضلال والبدع من أهل القبلة، تجدهم يعظمون شيخًا، أو إمامًا، أو غير ذلك ويشركون به، ويدعونه من دون الله ويستغيثون به، وينذرون له، ويحجون إلى قبره. وقد يسجدون له، وقد يعبدونه أعظم مما يعبدون الله، كما يفعل النصاري، وهم مع ذلك من أجهل الناس بأحواله؛ ينقلون عنه أخبارًا مسيبة ليس لها إسناد، /ولا يعرف صدقها من كذبها، بل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت