الصفحة 124 من 349

عامة ما يحفظونه ما فيه غلو وشطح للإشراك به. فأهل الإسلام الذين يعرفون دين الإسلام ولا يشوبونه بغيره يعرفون الله ويعبدونه وحده، ويعرفون أنبياءه فيقرون بما جاؤوا به، ويقتدون به، ويعرفون أهل العلم والدين، وينتفعون بأقوالهم وأفعالهم. وأهل الضلال في ظلمة لا يعرفون الله ولا أنبياءه ولا أولياءه، ولا يميزون بين ما أمر الله به وما نهي عنه، وبين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان.

ولا ريب أن في أهل القبلة من يشبه إليهود والنصاري في بعض الأمور، كما في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لتتبعن سَنَن من كان قبلكم حَذْو القُذَّة بالقُذَّة، حتى لو دخلوا جحر ضَبٍّ لدخلتموه) . قالوا: يا رسول الله، إليهود والنصاري؟ قال: (فمن!) . وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لتأخذن أمتي مأخذ الأمم قبلها، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع) ، قالوا: يا رسول الله، فارس والروم؟ قال: (فمن الناس إلا هؤلاء) .

ومشابهتهم في الشرك بقبور الأنبياء والصالحين هو من مشابهتهم التي حذر منها أمته قبل موته في صحته ومرضه، وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم /قبل أن يموت بخمس وهو يقول: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل؛ فإن الله قد اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك) . وأما لعنه لمن فعل ذلك: ففي الصحيحين عن عائشة وابن عباس قالا: لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: (لعنة الله على إليهود والنصاري اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) ـ يحذر ما صنعوا. وفي الصحيحين عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه: (لعن الله إليهود والنصاري اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) . قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره؛ غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا. وفي لفظ: غير أنه خشي، أو خُشي. وفي الصحيح أيضًا عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لعن الله إليهود والنصاري اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) . هذا لفظ مسلم. وله وللبخاري: (قاتل الله إليهود والنصاري اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) ، وفي الصحيحين عن عائشة: أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة ـ رأينها بأرض الحبشة فيها تصاوير ـ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أولئك إذا مات فيهم /الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة) . وفي المسند وصحيح أبي حاتم عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد) .

وهذا باب واسع لبسطه موضع آخر. وقد بسط الكلام في هذا الباب في الرد على من هو أفضل من هذا، وبين ما خالفوا فيه الكتاب والسنة والإجماع في هذا الباب وفي غيره. ولما كان أولئك أعلم وأفضل كان الرد عليهم بحسبهم، والله أعلم.

صورة خطوط القضاة الأربعة:

على ظهر فتيا الشيخ تقي الدين أبي العباس ابن تيمية في [السفر لمجرد زيارة قبور الأنبياء] .

هذا المنقول باطنها جوابًا عن السؤال أن زيارة الأنبياء بدعة، أو ما ذكره من نحو ذلك، وأنه لا يترخص في السفر إلى زيارة الأنبياء. هذا كلام باطل، مردود عليه. وقد نقل جماعة من العلماء والأئمة الكبار أن زيارة النبي صلى الله عليه وسلم فضيلة وسنة مجمع عليها، وهذا المفتي المذكور ينبغي أن يزجر عن مثل هذه الفتاوي الباطلة عند / العلماء والأئمة الكبار، ويمنع من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت