الصفحة 126 من 349

لم يتخذ من دونه أندادًا، كالذين اتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًا لله ولم يشرك بربه أحدًا، ولم يتخذ من دونه وليًا ولا شفيعًا، لا ملكًا، ولا نبيًا، ولا صديقًا.

فإن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا لقد أحصاهم وعدهم عدًا وكلهم آتيه يوم القيامة فردًا.

فهنالك اجتباه مولاه واصطفاه وآتاه رشده. وهداه لما اختلف فيه من الحق بإذنه، فإنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وذلك أن الناس كانوا بعد آدم عليه السلام، وقبل نوح عليه السلام على التوحيد والإخلاص كما كان عليه أبوهم آدم أبو البشر - عليه السلام - حتى ابتدعوا الشرك وعبادة الأوثان - بدعة من تلقاء أنفسهم - لم ينزل الله بها كتابًا ولا أرسل بها رسولا، بشبهات زينها الشيطان من جهة المقاييس الفاسدة. والفلسفة الحائدة.

قوم منهم زعموا أن التماثيل طلاسم الكواكب السماوية والدرجات الفلكية والأرواح العلوية. وقوم اتخذوها على صورة من كان فيهم من الأنبياء والصالحين. وقوم جعلوها لأجل الأرواح السفلية من الجن والشياطين. وقوم على مذاهب أُخر. وأكثرهم لرؤسائهم مقلدون وعن سبيل الهدى ناكبون. فابتعث الله نبيه نوحًا عليه السلام يدعوهم إلى عبادة الله وحده، لا شريك له، وينهاهم عن عبادة ما سواه، وإن زعموا أنهم يعبدونهم ليتقربوا بهم إلى الله زلفى ويتخذوهم شفعاء. فمكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا فلما أعلمه الله أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن دعا عليهم فأغرق الله تعالى أهل الأرض بدعوته وجاءت الرسل بعده تترى. إلى أن عم الأرض دين الصابئة والمشركين، لما كانت النماردة والفراعنة ملوك الأرض شرقًا وغربًا. فبعث الله تعالى إمام الحنفاء، وأساس الملة الخالصة والكلمة الباقية: إبراهيم خليل الرحمن. فدعا الخلق من الشرك إلى الإخلاص. ونهاهم عن عبادة الكواكب والأصنام وقال: {وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 79] ، وقال لقومه: {قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ} [الشعراء: 75] {أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ} [الشعراء: 76] {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 77] {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} [الشعراء: 78] {وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمني وَيَسْقِينِ} [الشعراء: 79] {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80] {وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ} [الشعراء: 81] {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} [الشعراء: 82] .

وقال إبراهيم عليه السلام ومن معه لقومهم: {إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4] .

فجعل الله الأنبياء والمرسلين من أهل بيته وجعل لكل منهم خصائص ورفع بعضهم فوق بعض درجات.

وآتى كلًا منهم من الآيات ما آمن على مثله البشر. فجعل لموسى العصا حية حتى ابتلعت ما صنعت السحرة الفلاسفة من الحبال والعصي وكانت شيئا كثيرًا وفلق له البحر حتى صار يابسا والماء واقفًا حاجزًا بين اثني عشر طريقًا على عدد الأسباط وأرسل معه القمل والضفادع والدم وظلل عليه وعلى قومه الغمام الأبيض يسير معهم وأنزل عليهم صبيحة كل يوم المن والسلوى وإذا عطشوا ضرب موسى بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا قد علم كل أناس مشربهم.

وبعث بعده أنبياء من بني إسرائيل: منهم من أحيا الله على يده الموتى. ومنهم من شفى الله على يده المرضى. ومنهم من أطلعه على ما شاء من غيبه. ومنهم من سخر له المخلوقات. ومنهم من بعثه بأنواع المعجزات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت