فهرس الكتاب
وأما الإمكان لو افتقر وجوده إلى فرح غيره، وأما الحدوث فيبنى على قيام الصفات فيلزم منه حدوثه، وقد ذكر في غير هذا الموضع أن ما سلكه الجهمية في نفي الصفات فمبناه على القياس الفاسد المحض وله شرح مذكور في غير هذا الموضع.
ومن تأمل نصوص الكتاب والسنة وجدها في غاية الإحكام والإتقان وأنها مشتملة على التقديس لله عن كل نقص، والإثبات لكل كمال، وأنه تعالى ليس له كمال ينتظر بحيث يكون قبله ناقصًا؛ بل من الكمال أنه يفعل ما يفعله بعد أن لم يكن فاعله، وأنه إذا كان كاملا بذاته وصفاته وأفعاله لم يكن كاملًا بغيره ولا مفتقرًا إلى سواه، بل هو الغني ونحن الفقراء، وقال تعالى: {لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ} [آل عمران: 181] ، وهو سبحانه في محبته ورضاه ومقته وسخطه وفرحه وأسفه وصبره وعفوه ورأفته له الكمال الذي لا تدركه الخلائق وفوق الكمال، إذ كل كمال فمن كماله يستفاد، وله الثناء الحسن الذي لا تحصيه العباد، وإنما هو كما أثنى على نفسه، له الغنى الذي لا يفتقر إلى سواه، {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم: 93: 95] .
/فهذا الأصل العظيم وهو مسألة خلقه وأمره وما يتصل به من صفاته وأفعاله من محبته ورضاه وفرحه بالمحبوب وبغضه وصبره على ما يؤذيه هي متعلقة بمسائل القدر ومسائل الشريعة، والمنهاج الذي هو المسؤول عنه ومسائل الصفات ومسائل الثواب والعقاب والوعد والوعيد، وهذه الأصول الأربعة كلية جامعة وهي متعلقة به وبخلقه.
وهي في عمومها وشمولها وكشفها للشبهات تشبه مسألة الصفات الذاتية والفعلية، ومسألة الذات والحقيقة والحد وما يتصل بذلك من مسائل الصفات والكلام في حلول الحوادث ونفي الجسم وما في ذلك من تفصيل وتحقيق.
فإن المعطلة والملحدة في أسمائه وآياته كذبوا بحق كثير جاءت به الرسل بناء على ما اعتقدوه من نفي الجسم والعرض ونفي حلول الحوادث ونفي الحاجة.
وهذه الأشياء يصح نفيها باعتبار، ولكن ثبوتها يصح باعتبار آخر، فوقعوا في نفي الحق الذي لا ريب فيه، الذي جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، وفطرت عليه الخلائق، ودلت عليه الدلائل السمعية والعقلية، والله أعلم.
فصل
خاتم الأولياء
تكلم طائفة من الصوفية في [خاتم الأولياء] ، وعظموا أمره كالحكيم الترمذي ـ وهو من غلطاته، فإن الغالب على كلامه الصحة بخلاف ابن عربي، فإنه كثير التخليط، لاسيما في الاتحاد ـ وابن عربي وغيرهم، وادعى جماعة كل واحد أنه هو، كابن عربي، وربما قيده بأنه ختم الولاية المحمدية، أو الكاملة، أو نحو ذلك، لئلا يلزمه ألا يخلق بعده لله ولي، وربما غلوا فيه، كما فعل ابن عربي في فصوصه فجعلوه مُمِدا في الباطن لخاتم الأنبياء، تبعًا لغلوهم الباطل، حيث قد يجعلون الولاية فوق النبوة، موافقة لغلاة المتفلسفة الذين قد يجعلون الفيلسوف الكامل فوق النبي.
وكذلك جهال القدرية، والأحمدية، واليونسية، قد يفضلون شيخهم /على النبي، أو غيره من الأنبياء، وربما ادعوا في شيخهم نوعًا من الإلهية.
وكذلك طائفة من السعدية: يفضلون الولي على النبي. وقال بعضهم: يقلد الشافعي ولا يقلد أبو بكر وعمر، وكذلك غالية الرافضة، الذين قد يجعلون الإمام كان ممدًا للنبي في الباطن، كما قد