فهرس الكتاب
يجعلونه إلهًا، فأما الغلو في ولي غير النبي حتى يفضل على النبي، سواء سمى وليًا أو إمامًا، أو فيلسوفًا، وانتظارهم للمنتظر الذي هو: محمد بن الحسن، أو إسماعيل بن جعفر، نظير ارتباط الصوفية على الغوث، وعلى خاتم الأولياء، فبطلانه ظاهر بما علم من نصوص الكتاب والسنة، وما عليه إجماع الأمة، فإن الله جعل الذين أنعم عليهم أربعة: النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين.
فغاية من بعد النبي أن يكون صديقًا، كما كان خير هذه الأمة بعد نبيها صديقًا؛ ولهذا كانت غاية مريم ذلك في قوله: مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ
الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ [المائدة: 75] .
وبهذا استدللت على ما ذكره طائفة: كالقاضي أبي يعلى، وغيره من أصحابنا، وأبي المعالي، وأظن الباقلاني، من الإجماع على أنها لم تكن نبية ليقرروا كرامات الأولياء، بماجرى على يديها، فإن بعض الناس زعم أنها كانت نبية، فاستدللت بهذه الآية، ففرح مخاطبي بهذه الحجة، فإن الله ذكر ذلك في بيان غاية فضلها، دفعًا لغلو النصارى فيها، كما /يقال لمن ادعى في رجل أنه ملك من الملوك، أو غني من الأغنياء ونحو ذلك، فيقال: ما هو إلا رئيس قرية، أو صاحب بستان، فيذكر غاية ما له من الرئاسة والمال، فلو كان للمسيح مرتبة فوق الرسالة أو لها مرتبة فوق الصديقية لذكرت.
ولهذا كان أصل الغلو في النصارى، ويشابههم في بعضه غالية المتصوفة والشيعة، ومن انضم إليهم من الصابئة المتفلسفة، فالرد عليهم من جهة واحدة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في أبي بكر وعمر: (هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين، إلا النبيين والمرسلين) فهذه المسألة لشرحها موضع غير هذا وهي أن كل من سوى الأنبياء دونهم.
وإنما الكلام هنا فيما يذكرونه من خاتم /الأولياء، فنقول: هذه تسمية باطلة، لا أصل لها في كتاب ولا سنة ولا كلام مأثور عمن هو مقبول عند الأمة قبولا عاما، لكن يعلم من حيث الجملة أن آخر من بقى من المؤمنين المتقين في العالم فهو آخر أولياء الله.
ونقول ثانيًا: إن آخر الأولياء، أو خاتمهم، سواء كان المحقق، أو فرض مقدر، ليس يجب أن يكون أفضل من غيره من الأولياء، فضلا عن أن يكون أفضلهم، وإنما نشأ هذا من مجرد القياس على خاتم الأنبياء، لما رأوا خاتم الأنبياء هو سيدهم. توهموا من ذلك قياسا بمجرد الاشتراك في لفظ خاتم. فقالوا: خاتم الأولياء أفضلهم. وهذا خطأ في الاستدلال، فإن فضل خاتم الأنبياء عليهم لم يكن لمجرد كونه خاتمًا، بل لأدلة أخرى دلت على ذلك.
ثم نقول: بل أول الأولياء في هذه الأمة، وسابقهم هو أفضلهم، فإن أفضل الأمة خاتم الأنبياء. وأفضل الأولياء سابقهم إلى خاتم الأنبياء، وذلك لأن الولي مستفيد من النبي وتابع له، فكلما قرب من النبي كان أفضل وكلما بعد عنه كان بالعكس، بخلاف خاتم الأنبياء فإن استفادته إنما هي من الله. فليس في تأخره زمانا ما يوجب تأخر مرتبته، بل قد يجمع الله له ما فرقه في غيره من الأنبياء، فهذا الأمر الذي ذكرناه من أن السابقين من الأولياء هم خيرهم. هو الذي دل عليه الكتاب والسنن المتواترة وإجماع السلف، ويتصل بهذا ظن طوائف أن من المتأخرين من قد يكون أفضل من أفاضل الصحابة. ويوجد هذا في المنتسبين إلى العلم، وإلى العبادة، وإلى الجهاد، والإمارة، والملك. حتى في المتفقهة من قال: أبو حنيفة أفقه من علي. وقال بعضهم: يقلد الشافعي ولا يقلد أبو بكر وعمر.